بقعة ضوء_ أطفال بين مذبح التشرد والجريمة

23

أطفال بين مذبح التشرد والجريمة..
لم تكن ظاهرة التسول والتشرد وليدة الأمس القريب ولم تكن فقط حصيلة للفقر والحاجة للمال وسد ما تطلبه الحياة بسطوتها وبطشها على من لا حيلة لهم ولا قوة من العباد، بل هناك ثقافة جديدة اقتحمت مجتمعنا وأصبحت قانون تسير عليه فئة لا يستهان بها من الناس وهي ثقافة “الاستعطاف والاستسهال” ،حيث وجد هؤلاء من أزمات البلد وما مروا به من ويلات المبرر القوي لاستسهال الطلب ومد اليد للحصول على مايفوق حاجتهم أحياناً، وتحول الأمر من لقمة جائع إلى مهنة رأس مالها كلمات ودموع وعبارات موجعة مكتوبة على ورقة خرساء تحاكي قلوب وضمائر أناس تاهت مشاعرهم بين من هم محتاجون فعلاً وبين من يخدعونهم ويتاجرون بمشاعرهم ويسرقون ماهم ليسو بحاجة إليه.
الطامة الكبرى ليست هنا بل تعدت إلى فئة كبيرة من الأطفال الذين تركوا مقاعد المدرسة وافترشوا الشارع ليكونوا متسولين باحترافية حاذق وصاحب حيلة تجاوزت براءتهم وكرامتهم كأطفال.
هذا ولا يمكننا تجاهل أو إنكار بأن هناك حالات كثيرة من التسول ناتجة عن فقر جاحد نخر عظام السوريين وأوضاع معيشية مهلكة وانتشار للبطالة وفقدان كثير من الأسر للمعيل، ناهيك عن ايجارات البيوت الفلكية وتكاليف علاج المرضى وغيرها الكثير من المسوغات التي جعلت من التسول الخيار الأخير لهم.
أثناء مروري في إحدى ساحات دمشق ليلاً، استوقفني وقوف عدد كبير من الأطفال ومنهم الإناث بأعمار لم يتجاوز بعضهم السابعة، كانوا ينتظرون توقف إشارة المرور ليتسابقوا نحو السيارات لمسح البلور بطريقة عبثية ومستفزة للسائق من أجل الحصول على المال، فماذا يفعل هؤلاء الأطفال هنا في هذا الوقت ومن يحميهم من غدر الخطف أو الاغتصاب أو أي جريمة تنال منهم وهم بهذا العمر؟!!
توجهت نحوهم وسألت أحد الأطفال: ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟ فأجابني أريد أن أعيش، إجابته مؤلمة لكنها حقيقية.
أما تلك الفتاة الصغيرة فقالت أريد أن أفوز اليوم!! فقلت لها بماذا؟ قالت: أن أجمع مال أكثر من الباقين وهربت من أمامي، عندها فهمت بأن هناك من يقف وراء هؤلاء الأطفال وكأن شبكة منظمة تستغل طفولتهم وأوضاعهم الاجتماعية، فالخطر الأكبر ليس فقط في جمع المال بهذه الطريقة بل من تحول هؤلاء الأطفال من قاع التسول إلى عالم الجريمة واللصوصية وأن يكونوا بيادق في اللعبة القذرة التي تحدد نهج جيل كامل وتلعب بأحلامهم وأحلام مجتمع يقف الآن على قدم واحدة بانتظار معجزة تعود بنا إلى زمن كان أطفالنا يرضعون كرامتهم من ثدي أمهات تنام جائعة لكنها حرة.