عبد المنعم عنان.. رائد شعبية الدبلوماسية في “الآسيان”: حين يهزم نبل الانتماء لؤم النظام الساقط بقلم عامر الصومعي

13

عبد المنعم عنان.. رائد شعبية الدبلوماسية في “الآسيان”: حين يهزم نبل الانتماء لؤم النظام الساقط
بقلم: عامر الصومعي – سيدني

في فلسفة العمل العام، ليس التكريم مجرد محطة للاحتفاء، بل هو اختبار للمعدن الحقيقي. وكما يقول السفير عبد المنعم عنان: “إن تكريم الإنسان يبعث في النفس شعوراً بالارتياح، لكن من يعمل في موقع يرتبط بمصالح أمة ودولة، لا يجوز له الاستكانة لهذا الشعور”. بهذه الروح المترفعة عن الذات، يواصل هذا الدبلوماسي السوري حفر مسارات جديدة لسوريا في القارة الآسيوية، محولاً التحديات إلى نجاحات عابرة للحدود، ومستحقاً عن جدارة لقب “رائد شعبية الدبلوماسية”.

شهادة من “دمر” إلى “سيدني”
لم تكن رحلة السفير عنان في أروقة الدبلوماسية السورية سهلة، بل كانت معركة صامتة ضد التهميش الممنهج. وأتذكر هنا ما كان يبوح به للزميل الراحل نضال حميدي (رحمه الله)، في جلساتهم الودية بمنزله في “دمر” بدمشق، حيث كان السفير يفضفض بمرارة عما يواجهه من النظام الساقط وعقليته الأمنية التي حاولت محاصرته وإقصاءه.

لقد حاول خصومه في تلك الحقبة تقزيم دوره وتسميته بـ “سفير إدلب بدمشق”، ظناً منهم أن خلفيته المناطقية وانتماءه لإدلب الصامدة قد يشكلان عائقاً، لكنه أثبت بمهنيته العالية وحسه الوطني الخالص أنه سوري الأداء والهوى، منحازاً لضميره ولوطنه في وجه منظومة الفساد. وحين التقيته في سيدني لنصف ساعة فقط، كانت تلك الدقائق كفيلة بأن يترك في نفسي أثراً لا يمحى، ليتحول في نظري من مسؤول دبلوماسي إلى صديق وأخ لا أستغني عن نبل أخلاقه ومشورته.

حضور استراتيجي وازن في شرق آسيا
تجاوز السفير عنان في جاكرتا الأنماط التقليدية للتمثيل، محققاً حضوراً استراتيجياً وازناً كسر به طوق العزلة. ففي ديسمبر 2024، قدّم أوراق اعتماده كـ أول سفير معتمد للجمهورية العربية السورية لدى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كانت تجسيداً لذكاء دبلوماسي يعرف كيف يفتح قنوات تواصل مباشرة مع قوى صاعدة عالمياً، بعيداً عن الجمود الذي فرضه النظام الساقط على البلاد لسنوات طويلة.

جائزة التميز الدبلوماسي: تقدير الجسور
تجلى التقدير العالمي لمسيرته مؤخراً حين منحته منظمات المجتمع المدني الإندونيسية، وفي مقدمتها اتحاد النساء المسلمات، “جائزة التميّز الدبلوماسي”. هذا التكريم لم يأتِ من فراغ، بل كان اعترافاً بدور “رائد شعبية الدبلوماسية” في بناء جسور الحوار الثقافي والديني، وتنشيط التبادل التجاري، وترسيخ الحضور السوري الفاعل في المحافل الأكاديمية والاجتماعية الإندونيسية.

العمل الدبلوماسي كفعل خلاّق
في رؤية السفير عنان، الدبلوماسية هي “عمل خلاّق لا يعرف الجمود، تواصل يومي، وطرق للأبواب دون ملل”. هذا الإخلاص، رغم كل الظروف الدقيقة، يعكس معدن الدبلوماسي الذي يخدم قضية شعبه حتى “آخر ساعة عمل”، مؤمناً بأن التميز الحقيقي يتوازن مع التواضع والاستمرار في الكفاح، دون الركون إلى وهم الإنجازات النهائية.

بانتظار “مذكرات الثبات”
إن ما يمتلكه السفير عبد المنعم عنان من مخزون نضالي وتجربة غنية، وما واجهه من النظام الساقط بصفته “المُنشق الثابت” بمواقفه والمنحاز لهويته السورية الجامعة، يجعلنا نترقب بشغف توثيقه لهذه الحقبة. إن كتاباً يروي رحلة هذا السوري الأصيل سيكون وثيقة تاريخية تنصف الكفاءة التي رفضت الانكسار، وحملت اسم سوريا عالياً فوق كل اعتبار ضيق.

من سيدني، نحيي هذا الصمود المهني، ونعتز بصداقة رجل لم تكسره الضغوط ولم تغيره المناصب، ليبقى جسراً يربطنا بالأمل، وبالوطن السوري الحر الذي حلمنا به جميعاً.