حَبّانْجِي.. مرآة أيامنا المسروقة في جمهورية الخوف بقلم: عامر الصومعي – سيدني، أستراليا

6

حَبّانْجِي.. مرآة أيامنا المسروقة في جمهورية الخوف
بقلم: عامر الصومعي – سيدني، أستراليا

عندما قرأت رواية “حَبّانْجِي” للكاتب نصار الحسن، لم أكن أقرأ نصاً أدبياً فحسب، بل كنت أنظر في مرآة مكسورة تعكس سنوات شبابي التي نُحرت على مذبح الانتظار. من هنا، من منفاي الاختياري في سيدني، حيث المحيط يفصل بيني وبين “الحسكة” آلاف الأميال، أعادني هذا الكتاب بصفعة مباغتة إلى تلك الأيام المتربة، يوم كان الوطن حقيبة مغلقة، وكنا نحن المسافرين الممنوعين من السفر.

صفاء درويش.. أنا وأنت وجيل “المنع” بطل الرواية، “صفاء درويش”، ليس شخصية من ورق. إنه نحن. إنه كل شاب سوري وقف أمام “شعبة التجنيد” أو “فرع الهجرة والجوازات” ليسمع تلك الكلمة التي تقتل الروح قبل الجسد: “ممنوع”. في شخصية صفاء، رأيتُ انعكاساً لشبابي الضائع، ذلك الشباب الذي حوصر بقرارات منع السفر، فلم يُسمح لي بمغادرة القطر إلا مرة واحدة يتيمة، وكأن الحرية جرعة دواء تُصرف بتقنين شديد، لنبقى بعدها رهائن الانتظار حتى تحرير سوريا. صفاء درويش المغلوب على أمره في الرواية، هو الشاهد الصامت على القهر، تماماً كما كنا شهوداً على حقبة سوداء صبغها الخوف بلون البدلات العسكرية.

عن “الحبانجية” وكلاب السلطة يُشَرِّح نصار الحسن في روايته بنية “الحبانجي”، ذلك الكائن المتملق، المنافق، الذي يعيش ليخدم سيده. لكن الرواية، بذكائها، تشير بإصبع الاتهام إلى “صنّاع الحبانجية” في هذه الجمهورية المرعبة. وكما يقول الكاتب واصفاً هذا الحال في أحد مفاصل الرواية:

“في هذه المدينة، حتى الجدران تملك آذاناً، والريح قد تحمل وشاية.. تعلمنا أن نبتلع كلماتنا مع طعامنا، حتى أصبحت غصة الصمت جزءاً من عملية الهضم.”

وأنا أقرأ هذه السطور، لم أستطع إلا أن أستحضر وجوه جلادينا الحقيقيين الذين حولوا حياتنا إلى جحيم في تلك الحقبة. تذكرتُ “أبو صلاح” من الأمن العسكري، و”أبو عزيز” من الأمن السياسي، وتذكرتُ ظلهم الكبير ومعلمهم سيء الذكر محمد منصورة، الحاكم الفعلي الذي كان يمسك بخيوط اللعبة، محولاً المدينة إلى مزرعة للرعب. هؤلاء لم يكونوا مجرد ضباط أمن، بل كانوا مهندسين لخراب الأرواح. هم من زرعوا “الحبانجية” في كل دائرة حكومية، وفي كل زاوية، ليحصوا علينا أنفاسنا. كانوا يريدوننا إما “حبانجية” مثلهم، ننافق ونطأطئ الرؤوس، أو موتى – معنوياً أو جسدياً.

بين “حبانجي” و”مفكرة الوفاء” في الرواية، يصارع البطل للحفاظ على قليل من الكرامة وسط مستنقع الفساد. هذا الصراع أعادني إلى ملجئي الوحيد في تلك الأيام السوداء. إذا كان العالم الخارجي مليئاً بنماذج “الحبانجي” الخسيسة، فقد كان لي واحة نقيّة اسمها “مفكرة الوفاء”. تلك المفكرة التي أعددتها مع صديق العمر ورفيق الدرب علي الراوي، لم تكن مجرد ورق وحبر، بل كانت وثيقة عهد بأننا لن نتشبه بهم، وأننا سنحفظ إنسانيتنا مهما تجبر “أبو صلاح” وطغى “منصورة”. كانت “مفكرة الوفاء” هي ردنا الحضاري والأخلاقي على عالمهم القبيح، ومحاولتنا لتوثيق ما تبقى من بياض في زمن السواد.

رسالة من سيدني رواية “حبانجي” وثيقة إدانة للتاريخ، صرخة في وجه النسيان، وتذكيراً بأن ما عشناه من قهر تحت وطأة التقارير الأمنية ومنع السفر لم يذهب سدى، بل هو وقود ذاكرتنا الحية. لقد غادرتُ المكان، وأنا الآن في سيدني، لكن غبار الحسكة ووجع تلك السنوات لا يزال عالقاً في الذاكرة. شكراً لنصار الحسن لأنه كتب، وشكراً للذاكرة لأنها احتفظت بأسماء الجلادين لليوم الذي تُنصب فيه موازين العدالة الحقة. لقد خسرنا سنوات من أعمارنا محاصرين داخل الحدود، لكننا ربحنا أنفسنا لأننا رفضنا أن نكون “حبانجية”، وبقينا أوفياء لعهدنا، تماماً كما في مفكرتي مع الصديق علي الراوي.. أوفياء حتى مطلع الفجر.