متل زهر البيلسان (الشَّاعر طلال حيدر) (1) بقلم. محمد فتحي المقداد
متل زهر البيلسان
(الشَّاعر طلال حيدر)
(1)
بقلم. محمد فتحي المقداد. سوريا
البُعد الإنسانيِّ في مهنتي كـ-حلَّاق- فضاءات بلا حُدود. إذا اِنْفلتت الذَّاكرة من عقالها، لتأخذك إلى فضاءات غير مُتوقَّعة من الخيالات ممزوج بالفرح والأوهام؛ تبقى الذَّاكرة رُؤية من الخارج وتغوص في ثنايا بقايا الحدث صغيرًا أم كبيرًا.
بعد سنين ناهزت العِقديْن والنِّصف، تأتي لحظة فاصلة معجونة بالتأمُّل والتجرُّد؛ لتحكي حقيقة صادمة مُشبَعة بالشَّوق والحنين، أو أن تُلامسها وتُقارِبَها، لأنَّ لحظة الحقيقة هي رؤية جُزئيَّة تختلف من شخص لآخر.
وما أكتبه جزء من نفسي وعقلي وتفكيري. ليس تأريخًا أو توثيقيًا. إنَّما تسجيل حالة إنسانيَّة مُفعمة بالدَّهشة والحبِّ.
بلاهة الدَّهشة شِعْرًا… صدمة الكلمة المحكيَّة بقُدرتها البلاغيَّة، ومن قال أنَّ القصيدة الفصيحة، وَحْدَها خُلقَت لتُقرأ وتُسمَع وتُحفَظ فقط.
أمَّا عند شعراء المحكي، وعلى الأخصِّ اللُّبنانيِّين منهم: “طلال حيدر. جوزف حرب”؛ فقد كَسَرُوا المألوف خُروجًا إلى الإدهاش؛ عند البحث عن كلمات إحدى أغنيات فيروز، إذا كانت من نَسْج هذيْن الشَّاعرين.
تحدٍّ صعب لشعراء الفُصحى وتميُّزٍ باهرٍ بإنْتاج الصُّور الفنيَّة المُركَّبة بكاء نادر، تبقى المقدرة الشخصيَّة وذهنيَّة الشاعر الموهوب هي الميِّزة الفريدة الفاصلة.
الزّمان (1998م) المكان (مدينة أبو ظبي. فندق كورنيش رزدنس هيلتون) الذي عملتُ فيه لمدَّة أربع سنوات.
ذات مساء غارق في لُجَّة العمل، وعلى غير موعد ولا معرفة سابقة به إلَّا من خلال قصائده، أطلَّ الشَّاعر “طلال حيدر”. وجدتُ نفسي وجهًا لوجهٍ معه؛ ولأنَّ من قرأتُ له، وسمعتُ عنه، وتابعته على التلفزيون مع “زاهي وهبي” ببرنامجه الحواريِّ “خلِّيك بالبيت”.
في لحظة عبقريَّة يقتحم عالمي المُحاصَر بين مرايا الصَّالون المُنزوية في ممرِّ جانبيٍّ مُجاورٍ للــ(كوفي شوب). يا إلهي… توقَّف تفكيري لبُرهة لاستعادة تماسُكي، ها أنذا…!! فما كنتُ سأسعى إليه؛ يأتيني ليجلس بين يديَّ، لتزيين وتهذيب من تناثر وتنافر من شعر رأسه ولحيته وشاربيه.
“طلال حيدر” بشحمه ولحمه أراه ولا أكاد أُصدِّق، وأنا الفلّأح، لم أكُن لأحلَم مُجرَّد حلم، بلقاء من قرأتُه وسمعت قصائده المُغنَّاة، وعشقتُ فيه رهافة مشاعره ببعدها الإنسانيِّ.
(يا رايحين مشرَّق… مشرَّق ما بو ربيعي)،لفَتَت اِنْتباهي هذه العبارة في أغنية فيروز. لمستُ فيها طابع الفلّاَحين المُوشَّاة بلكنة بدويَّة أصيلة. أذكُر عبارة للصحافيِّ الرَّاحل “غسان تويني”: (اِثْنان أَتَوْا من بَعْلَبَكَّ، أحدُهما مجنونٌ، ويريد أن يتمثَّل بالعاقل، وهو “رفيق شرف”، والآخر عاقلٌ ويريد أن يتمثَّل بالمجنون، وهو “طلال حيدر”).
ذات مرَّة سألَ “تويني” طلال حيدر: (من أين تأتي بهذه الصُّور في شعركَ؟ فأجابه: لو أعرف من أين تأتي، ما كنتُ كتبتُها). ما إنَّ حيّاني بتحية كانت ابتسامته قد سبقت لسانه. قليل من حديث الترحيب والمُجاملات لحين أن فرغت ممَّا كان يشغلني.
قال بلهجته اللُّبنانيَّة: (لَيْك … شُوف دِيْرْ بَالَك… كُلشي ولا الشَّوارب)، بضحكة بسيطة. أجبتُ: “خلِّلي الشَّوارب على جَنَب). باِهْتمام مثله مثل باقي الزَّبائن، أنجزتُ مُهمَّة تهذيب شاربيْه. أبدى اِعتراضًا لطيفًا على صَغَر المقصِّ الذي استخدمتُه له: (أوَّل مرَّة بشوف هيْك مَءَصْ..!!). جوابي: “الحُكومة خصَّصته لذلك، قسمًا بالله ليس أنا… ههههههه”. شكرني جدًا. بكلِّ اِحْترام غادر.
عصر اليوم التَّالي. أطلَّ ثانيَّة يلبس ثوبًا أبيض طويلًا فوق قميصه والكرافيته وبنطال البدلة يظهر بلونه الزَّاهي، لفت انتباهي هذا المظهر، برَّرتُ ذلكَ لنفسي: “يجوز للشُّعراء اِرْتداء ما يحلو لهم، على شاكِلَة جوازاتهم الشعريَّة”. فقال والاِبْتسامة تأبى مُفارقه وجهه، أظنُّ حتَّى وهو نائم: (إيْه… عجبوهم). لم أعرف ما الذي أعجبهم..!! فلَّما اِسْتفسرتُ، قال: (الشَّوارب…). فرحتُ بهذا الإطراء.
وتابَعَ: (سآتيكَ لتقُصَّ لي شعري). مرحبًا بكَ بأيِّ وقت تأتي. اِنْصرف، وفي مساء الغدِّ جاء. من فوْره جَلَس على كُرسي الحلاقة، تأمَّلتُ صلعته اللَّماعة وخُصُلات الشُّعر الطَّويلات المُتبقِّيات المُتهدِّلات على الجانبيْن، ليُغطِّين أُذُنيْه. جاء دور أصابعي للتلاعب بشعره الخفيف، وتقييف الشاذِّ منها بحَذَر.
أمَّا المظهر النهائيِّ بعد استخدامي لمُجفِّف الشَّعر (السِّيشوار)، فقد بدا بمظهر راق له جدًّا جدًّا؛ بانفعال مُفعَم بالرِّضا. قال: (بْتعرِف أوّل مرَّة بيزبطوا هيْك. بس للأسف أنا مُقيم بإيطاليا في المرَّة القادمة، ما رَحْ يكونوا هيْك). اِنْتشيُت بفرح غامر حدًّا طاول عَنان السَّماء، آه…!! -لقد بالغتُ كثيرًا- بل سَقْف الصَّالون، وأجبته بكلِّ ثقة: “أرسل لي بطاقة سفر، كي أقصَّ شعرك… وأعود إلى أبو ظبي”.
لقاء عابر. كان قد حَجَز مكانًا له في حنايا ذاكرة، طوَّحت الحرب واللُّجوء بأشياء ثمينة منها، لكن وبعد هذه السَّنوات المهدورة من عمري. بقيَتْ نبرات طلال حيدر كالموسيقا النَّاعمة، رنين كلمات ما زال صداه في خيالي طازجًا. صراحةً وبلا مُبالغات من الصَّعب عليَّ كتابة قصيدة له بلهجته البعلبكيَّة. فقصائد “طلال حيدر” تجري كالماء والهواء على لسانه، تتدفَّق بسخاء ليس مبالغة، إنَّما تتقلَّب على ضجيج الحياة المُتدفّقة لتتجاوز نفسها مُنطلقة إلى عوالم القلب والفكر، ببساطة الكلمات المألوفة المُشكِّلة للمعاني الاِسْتثنائيَّة التي تسترعي التوقُّف والتأمُّل.
(ثرثرة على كرسي الحلاقة)