حالة قلق ((18)) بقلم : مصطفى المقداد

17

حالة قلق ((18))
حين تغيب الدولة
كتب مصطفى المقداد:
لا تنهار الأوطان دفعة واحدة.
هي لا تسقط بصوت مدوٍّ، بل تتآكل بصمت،
حين يبدأ الناس بالتصرف كما لو أن الدولة فكرة مؤجلة،
أو وعداً لم يحن أوانه بعد.
في البدء، يختلف الناس خوفاً،
ثم يختلفون دفاعاً،
ثم لا يعود اختلافهم رأياً ، بل وسيلة بقاء.
وحينها، لا يعود السؤال: من المخطئ؟
بل: من التالي؟
الدولة، في جوهرها، ليست مبنى ولا خطاباً ولا راية.
هي الإحساس العميق بأن الجميع، مهما اختلفوا،
يقفون تحت سقف واحد،
وأن هذا السقف لا يميل مع الريح،
ولا يسقط على رأس فئة دون أخرى.
عندما تغيب الدولة،
لا ينهض الأقوياء،
بل يتكاثر الخائفون.
كل جماعة تشدّ يدها إلى سلاحها،
وكل فئة تبحث عن ظلٍّ خارج البيت،
ليس حباً بالخارج،
بل يأساً من الداخل.
الخطر الحقيقي ليس في تعدد الهويات،
ولا في تنوع الانتماءات،
بل في لحظة يتحول فيها هذا التنوع
من ثراء وطني
إلى خطوط تماس نفسية غير مرئية،
يتجنب الناس عبورها،
ثم يخشون حتى النظر عبرها.
وحين تُدار الأمور بالقوة وحدها،
دون عدالة تشبهها،
ودون خطاب يحتضن الجميع،
فإن القوة لا تبني دولة،
بل تؤجل انفجارها.
الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض الصمت،
بل بقدرتها على جعل الناس يتكلمون دون خوف.
ولا تُقاس بصرامة قراراتها،
بل بعدالتها حين تُطبّق،
وبحيادها حين تُختبر.
أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ جريح،
أن يبدأ أبناؤه بتبرير غياب الدولة،
كلٌّ من موقعه،
وكلٌّ بحجته،
حتى يصبح غيابها أمراً طبيعياً،
ويتحول الاستثناء إلى قاعدة.
الدولة لا تقوم بجماعة دون أخرى،
ولا تستقيم بنصف مواطنيها،
ولا تُبنى على ريبة دائمة من مكوّنٍ كامل.
فحين يشعر أي مواطن أن الدولة لا تشبهه،
سيبحث – ولو مكرهاً – عما يشبهه خارجها.
النصيحة التي لا تُقال بصوت عالٍ،
لكن لا بد من سماعها:
إما دولة يشعر الجميع أنها دولتهم،
أو فراغٌ ستملؤه المخاوف،
وسيحكمه السلاح،
ولو مؤقتاً…
حتى يُبتلع الجميع.
الدولة ليست خياراً سياسياً،
هي شرط حياة.
ومن لا يدرك ذلك اليوم،
سيتعلمه غداً
لكن بثمنٍ أعلى…
وألمٍ أعمق…
ووطنٍ أضيق.