في حضرة “ديموكس”.. رحلة بين شرفات سيدني وحنين جدة وياسمين الشام بقلم: عامر الصومعي – سيدني
: في حضرة “ديموكس”.. رحلة بين شرفات سيدني وحنين جدة وياسمين الشام
بقلم: عامر الصومعي – سيدني
في الوقت الذي كانت فيه سيدني تضج بصخب الاحتفالات وتودع عام 2025، آثرتُ الهروب من ضوضاء الشوارع المزدحمة إلى ملاذٍ لا يشيخ. توجهتُ إلى شارع “جورج” العريق، لتدفعني الخطوات نحو المبنى التاريخي ذي الطراز الفيكتوري المهيب، مبنى “ديموكس” (Dymocks).
بمجرد أن يفتح المصعد أبوابه في الطابق الرئيسي، تشعر وكأنك انتقلت إلى عالم موازٍ. المكان هنا ليس مجرد متجر، بل هو مسرح للمعرفة. السقوف العالية المزخرفة تمنحك شعوراً بالفخامة والاتساع، بينما تتدلى الثريات الكلاسيكية لتسكب ضوءاً دافئاً ذهبياً على “جزر” الكتب الممتدة بانتظام هندسي بديع. الأرضيات الخشبية اللامعة تعكس صور الأغلفة الملونة، وتصميم المكتبة المفتوح (Atrium) يسمح لك برؤية طوابق الكتب المتراصة فوق بعضها، وكأنها جدران حصن يحمي العقل البشري.
توسطتُ القاعة الرئيسية، حيث السلالم الداخلية الأنيقة تقودك إلى “الميزانين” (الطابق النصفي) الذي يتربع فيه المقهى الشهير. من تلك الشرفة العلوية، ومع رائحة القهوة المحمصة وصوت قرع الفناجين الخافت، يمكنك أن تطل على مشهد بانورامي للمكتبة بالكامل؛ رؤوس القراء المنحنية بخشوع أمام الكتب، وحركة الزوار الهادئة وهم يتنقلون بين ممرات الأدب، والتاريخ، وتطوير الذات.
وعلى الجانب الأيمن، يبرز قسم القرطاسية والهدايا كأنه لوحة فنية؛ أجندات ومفكرات عام 2026 بأغلفتها الجلدية الفاخرة وألوانها الزاهية مصفوفة بعناية، تدعو الزائرين لتدوين أحلامهم وخططهم للعام الجديد. هذا المشهد يجسد ثبات هذه المؤسسة العريقة؛ فبينما طوت ديموكس صفحة فروعها الخارجية في نيوزيلندا وهونغ كونغ لتصبح جزءاً من الذاكرة، ركزت قوتها بالكامل هنا في موطنها الأم، لتنشر اليوم أكثر من 50 فرعاً تغطي كافة أرجاء القارة الأسترالية، جاعلة من موقعها الإلكتروني جسرها الحديث الذي يعبر البحار للقراء حول العالم.
وسط هذا الجمال المعماري والفكري، وأنا أتحسس غلاف مفكرة جديدة، سافر بي الحنين فجأة آلاف الأميال، ليحط بي في ممرات مكتبة “جرير” بجدة. تلاشت تفاصيل سيدني لتحل محلها صورة أختي، الدكتورة أحلام الصومعي. استعدتُ طيفها وهي تمشي بجانبي، تنتقي المراجع الطبية والكتب الفكرية بنفس الدقة والشغف الذي تنتقي به أدواتها المكتبية. كانت تلك الجولات برفقة الدكتورة أحلام تعلمنا أن ارتياد المكتبات ليس مجرد عادة، بل هو تهذيب للروح، وأن رائحة الورق في جدة تشبه تماماً رائحته في سيدني؛ كلاهما يمنحنا الأكسجين اللازم للحياة.
ولكن، لا تكتمل لوحة وداع 2025 إلا بلمسة الأمل القادمة من الشمال، من سوريا التي تنفست الصعداء هذا العام. فبينما كنت أتأمل وفرة الكتب هنا، قفز إلى ذهني صديق العمر علي الراوي.
علي، الذي نفض غبار الحرب عن كتفيه، عاد ليخبرنا أن الروح لا تموت. وصلتني أخباره بأنه استعاد شغفه القديم، وتحول إلى “حارس للكتب” في بلاد الشام. بات يجوب المدن المحررة، يشتري المكتبات الخاصة، ويجمع شتات الكتب، ليقيم المعارض في الساحات العامة. تخيلتُ صديقي الراوي وهو يرص الكتب فوق بعضها في دمشق، يبني جداراً من المعرفة يقف في وجه الدمار، معلناً أن سوريا اليوم تُبنى بالكلمة قبل الحجر.
أقف الآن على شرفة مقهى “ديموكس” في أقصى جنوب الأرض، أرتشف قهوتي وأراقب هذا المزيج العجيب من البشر والكتب. أدرك أن خيطاً خفياً من النور يربطنا جميعاً: فخامة المكان ورسوخه هنا في سيدني، وذكريات العلم مع الدكتورة أحلام الصومعي في جدة، وكفاح علي الراوي النبيل في أسواق الشام.
أغادر المكتبة اليوم وفي يدي كتاب، وفي قلبي يقين بأن عام 2026 سيكون عام الوعي والبناء. فما دامت المكتبات عامرة، وما دام هناك من يقرأ في جدة، ومن يحمي الكتاب في دمشق، فالقادم أجمل بلا شك







