لفائف كيسليف”.. من عتمة “دير الزور” إلى أنوار “بونداي” هل تصلح “اللفائف” المحرمة لتكون وثيقة سينمائية عالمية؟ بقلم: عامر الصومعي – سيدني، أستراليا
“لفائف كيسليف”.. من عتمة “دير الزور” إلى أنوار “بونداي” هل تصلح “اللفائف” المحرمة لتكون وثيقة سينمائية عالمية؟
بقلم: عامر الصومعي – سيدني، أستراليا
هنا في سيدني، وتحديداً في منطقة “بونداي” الساحلية، وبينما تتلألأ الأضواء احتفالاً بالأعياد، وتُضاء الشموع في طقوس “حانوكا” أو عيد الأنوار لدى الجالية اليهودية، وجدتُ نفسي مشدوداً بخيط خفي وموجع إلى ضفاف الفرات البعيدة، وإلى عوالم رواية “لفائف كيسليف” (The Scrolls of Kislev) للروائي نصار الحسن. إنها مفارقة مذهلة تدعو للتأمل؛ فبينما يحتفل العالم الحر هنا بـ “كيسليف” -وهو الشهر العبري المقابل لكانون الأول- كشهر للأنوار والمعجزات، كان هذا الشهر في دير الزور، كما صورته الرواية، شهراً للعتمة المطبقة، وللبرد الذي ينخر العظام، وللملاحقات الأمنية بحثاً عن إرث مدفون يرعب حراس “جمهورية الخوف”.
تغوص الرواية بجرأة يحسد عليها الكاتب في عمق المحرمات والمسكوت عنه، متجاوزة السرد الاجتماعي التقليدي لتفتح ملف الوجود التاريخي في وادي الفرات من خلال شيفرة “عزير” ولغز اللفائف. فالعمل يبني حبكته الدرامية على الإرث المرتبط بالنبي والكاتب “عزير” (Ezra the Scribe)، الذي يُعتقد تاريخياً وشعبياً أنه مرّ من تلك الأرض أو ترك فيها أثراً. وهنا تكمن العقدة الكبرى؛ فهذه “اللفائف” في الرواية ليست مجرد لقيم أثرية، بل هي “القنبلة التاريخية” التي تسعى أجهزة المخابرات لامتلاكها، لا تقديراً لقيمتها الدينية أو الحضارية، بل لسببين دنيئين يحكمان عقلية السلطة: الهوس الأمني الذي يرى في أي أثر عبري تهمة جاهزة للجاسوسية، والجشع الذي يسيل لعاب الضباط لبيع هذا الكنز في السوق السوداء العالمية.
وأنا أراقب طقوس “حانوكا” هنا في بونداي، حيث ترمز الشموع لانتصار الضوء على الظلام في ثقافة تُحترم فيها العقائد والتواريخ، لا يسعني إلا أن أقارنها بـ “كيسليف” دير الزور الروائي. هناك، تم تحويل “خربة اليهود” ومقام العزير إلى مناطق عسكرية مغلقة أو مساحات مستباحة للنهب المنظم. لقد طمست السلطة تلك “الأنوار” وحولتها إلى أقبية للتحقيق، لتقول الرواية بوضوح إن بلادنا، التي كانت مهداً لهذه الديانات والحضارات، حوّلها الطغاة إلى مقبرة للتاريخ، حيث يُعاقب المرء على الذاكرة، ويُلاحق إذا تجرأ على نبش الماضي “غير الرسمي” الذي لا يوافق هوى السلطان.
هذه الكثافة الدرامية والتشويق العالي في “لفائف كيسليف” يضعنا أمام تساؤل مشروع: ألا تصلح هذه الرواية لتكون مشروعاً سينمائياً ضخماً؟ الحق يقال، أثناء قراءتي للعمل، لم أكن أقرأ كلمات مجردة فحسب، بل كنت أرى أمام عيني “كادرات” سينمائية جاهزة لفيلم إثارة وغموض تاريخي (Thriller) من الطراز العالمي. الرواية تمتلك كل المقومات البصرية والسردية؛ فهي سباق محموم مع الزمن بين “مدوّن” مثقف يحاول حماية التاريخ والذاكرة، وبين ضباط مخابرات فاسدين وشبكات دولية لتهريب الآثار، في حبكة تذكرنا بأجواء “شيفرة دافنشي” ولكن بنكهة فراتية وعمق سياسي مرعب.
تخيلوا معي كاميرا سينمائية ذكية تلتقط مشهدية دير الزور الساحرة والقاسية؛ جريان الفرات العظيم الشاهد الصامت على الزمن، العواصف الغبارية الصفراء التي تخفي الملامح، البيوت الطينية الدافئة، والأقبية السرية الباردة. إن مشهد البحث عن “اللفائف” تحت ضوء القمر في ليل الصحراء الموحش، وصوت النهر في الخلفية، كلها عناصر تشكل مادة خام لتحفة بصرية لو قُيض لها إنتاج محترف ومخرج جريء، يلتقط تلك اللحظة الحرجة التي يلتقي فيها “رعب المخابرات” بـ “قداسة التاريخ”.
إن “لفائف كيسليف” تصرخ لتتحول إلى صورة، ولتخرج من بين دفتي الكتاب إلى الشاشات العالمية. ومن هنا، من سيدني، حيث تمنحنا الحرية القدرة على رؤية الأشياء بوضوح، وحيث نرى “حانوكا” كاحتفال بالضوء، أتمنى أن أرى يوماً “كيسليف” دير الزور في عمل سينمائي يوثق الحقيقة، لا لنحتفل، بل لنشهد على الجريمة التي ارتكبت بحق الحجر والبشر، ولتكون وثيقة بصرية تدين من سرقوا اللفائف، وسرقوا معها أعمارنا وأحلامنا في تلك البلاد البعيدة.


