لماذا كوريا الجنوبية؟ وأين سوريا من هذا المسار؟ بقلم: د. عامر الصومعي
لماذا كوريا الجنوبية؟ وأين سوريا من هذا المسار؟
بقلم: د. عامر الصومعي – سيدني
حين أطلقت مجلة “العربي” الكويتية ندوتهـا الشهيرة بعنوان “العرب يتجهون شرقاً”، لم يكن الأمر مجرد استجابة لواقع اقتصادي طارئ، بل كان استحضاراً لتاريخٍ طويل من الرحلات والتبادل الثقافي عبر طريق الحرير وبحار الشرق. واليوم، ونحن في “المجلس الثقافي العربي بسيدني”، يبرز تساؤل جوهري: لماذا كوريا الجنوبية تحديداً؟ وما الذي يمكن أن تقدمه هذه التجربة لبلد بعراقة سوريا؟
سوريا وكوريا: درس النهوض من الركام
تكمن الأهمية القصوى لكوريا الجنوبية بالنسبة لسوريا في “نموذج التعافي”. فقد خرجت كوريا من حرب مدمرة في الخمسينيات ببنية تحتية منهارة، تماماً كما هو حال الكثير من الحواضر السورية اليوم. لكنها استطاعت عبر “التنمية الثقافية والتعليمية” أن تتحول من دولة مدمرة إلى واحدة من أقوى اقتصادات العالم ومناراته الثقافية.
إن سوريا، التي تمتلك مخزوناً حضارياً ضارباً في التاريخ، تحتاج اليوم لاستلهام التجربة الكورية في كيفية إعادة بناء الهوية الوطنية وربطها بالصناعات الإبداعية، لتحويل التراث السوري العريق إلى “قوة ناعمة” تساهم في إعادة الإعمار الاقتصادي والنفسي.
تأصيل العلاقات: من التجارة إلى الفكر
لقد أكد الدكتور سليمان العسكري سابقاً أن العلاقات العربية الآسيوية كانت دائماً مثالاً يحتذى به. وإذا كان تجارنا قد فتحوا مئات المكاتب في آسيا قديماً، فإن سوريا اليوم بحاجة لفتح “آفاق فكرية وتقنية” مع سيول. كوريا الجنوبية ليست مجرد مصنع للتقنية، بل هي مختبر نجح في دمج القيم التقليدية المحافظة مع الحداثة الرقمية، وهو توازن تحتاجه المجتمعات المشرقية السورية في مرحلة ما بعد الحرب.
سيدني: منصة الانطلاق للتعاون العربي الكوري
نحن هنا في سيدني، حيث نعيش في نقطة تماس مباشر مع الجالية الكورية، نرى في “المجلس الثقافي العربي” موقعاً استراتيجياً لمد جسور التواصل. إن رؤيتنا تتجاوز الإعجاب، بل نسعى لبرامج تبادل ثقافي ملموسة؛ تشمل ندوات مشتركة تبحث في “آليات الاستقرار والتنمية عبر الثقافة”، مستعينين بالخبرات الكورية في بناء المؤسسات التعليمية والفنية.
إن هدفنا هو استثمار الوجود العربي في أستراليا ليكون شريكاً في صناعة حوار “مشرقي-كوري”، يلتقي فيه عبق دمشق وحلب مع طموح سيول، لنبني نموذجاً للتعاون الإبداعي يساهم في رسم خارطة طريق للمستقبل السوري المأمول.
فالاتجاه شرقاً نحو كوريا الجنوبية ليس ترفاً، بل هو ضرورة وجودية لفهم كيف تُصنع القوة الناعمة والنهضة التنموية في القرن الحادي والعشرين. إنها دعوة لاستعادة روح الاستكشاف، لنبني جسوراً من المعرفة والتعاون الثقافي الذي يتجاوز الجغرافيا، ليصنع لشعوبنا — وفي مقدمتها الشعب السوري — غداً مشرقاً يستحقونه.


