حالة اليوم حين يتضخم الكرسي ويتضائل الشخص بقلم. الدكتور الإعلامي فضيل حلمي عبدالله
بقلم. الدكتور الإعلامي فضيل حلمي عبدالله.
حالة اليوم :
حين يتضخم الكرسي ويتضاءل الشخص
و يا للأسف الشديد هذا الشخص لا يساوي ما يجلس عليه بل يساوي ما يحمله في داخله
هذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان لكنها تحتاج إلى شجاعة ليعترف بها من اختلطت عليه الأشياء فظن أن الكرسيّ امتدادٌ لقامته وأن المنصب شهادة ميلادٍ جديدة تجعله أكبر مما كان، و يا ليتهم يعلمون أن الكرسيّ لا يرفع أحداً بل يكشفه..
كم من رجلٍ جلس في مكانٍ ظنّه تاجاً فإذا به اختبار، وكم من آخر تقلّد منصباً فخلع تواضعه كما يُخلع المعطف عند أول دفءٍ زائف ثم مشى بين الناس كأنه يمنّ عليهم بظلّه..
إن الإنسان في جوهره قيمة أخلاقية وثقافية قبل أن يكون قيمة إدارية وهو أثرٌ في القلوب قبل أن يكون توقيعاً على الأوراق
المنصب سلطةٌ مؤقتة أما الأخلاق و الأصالة فهي سلطة دائمة لا تسقط بالتقاعد ولا تُسحب بقرار، بل هي موروث تربوي لا ينتهي بتقادم أو مع مرور الوقت..
يخيّل إلى بعضهم أن الاحترام يُفرض فرضاً وأن الهيبة تُصنع بالصوت المرتفع والحاجب المعقود
وما دروا أن الاحترام يُولد صامتاً في القلوب وأن الهيبة بنت العدل لا بنت الغرور..
لقد رأيت في حياتي رجالاً لا يملكون إلا أسماءهم لكنهم إذا مرّوا في مجلسٍ نهضت لهم الأرواح قبل الأجساد، و رأيت آخرين يملكون مفاتيح المكاتب لكنهم لا يملكون مفتاح قلب واحد منالبشر، وهنا يكمن الفارق.. الفارق بين من يرى المنصب وسيلةً ليخدم ومن يراه وسيلةً ليُخدم بين من يزداد تواضعاً كلما إرتفع ومن ينتفخ حتى يختنق بظلّ نفسه..
قال سقراط أعرف نفسك، ولو عرف بعضهم أنفسهم لعلموا أن المنصب لا يضيف إلى القزم طولاً كما لا ينقص من العملاق شيئاً إن جلس على الأرض فالإنسان يُقاس بقدرته على احتواء غيره لا بقدرته على إقصائهم.. الحياة ليست مسرحاً دائماً والكرسيّ ليس خشبةً أبدية اليوم أنت في الصدارة وغداً قد تكون ذكرى في الهامش
فأيّهما تختار أن يبقى منك..
اسمٌ يُذكر بالخير أم منصبٌ يُذكر بالسوء..
إن الذين يظنون أنهم يملكون مفاتيح الحياة ينسون أن الحياة لا تسلّم مفاتيحها لأحد بل تعيرها قليلًا ثم تستردّها دون استئذان.. والدنيا لا تحفظ لأحدٍ مكاناً لكنها تحفظ أثره ومن العجيب أن بعض الناس ما إن يُفتح له باب سلطةٍ صغيرة حتى يغلق أبواب قلبه الكبيرة
يتحوّل من إنسانٍ بسيطٍ كان يُصافح بصدق إلى صورةٍ رسميةٍ لا تبتسم إلا بحساب..
كأن المنصب ألبسه عباءةً أكبر من مقاسه فتعثر بها وهو يظن أنه يمشي شامخاً الحقيقة المؤلمة أن الناس لا تكره المنصب بل تكره المتكبر فيه ولا ترفض السلطة و الجاه، بل ترفض القسوة المتخفية باسمها إن من يرتقي في منصب ينبغي أن يرتقي في أخلاقه قبل، وكلما علا وجب أن يزداد انحناءً للحق لا انتفاخاً بالوهم فالقمم الباردة لا يسكنها إلا من اعتاد دفء الناس
أما أولئك الذين يرون أنفسهم أكبر من مقاعدهم فليتذكروا أن الكراسيّ تدور، وأن الخارج من الباب اليوم قد يكون الداخل غداً وأن الوجوه التي
تجاهلوها ستبقى بينما لن يبقى لهم إلا صدى خطواتهم وهم يغادرون.. إنني لا أكتب شماتةً بل تحذيراً لبعض مراضا العقول، ولا غضباً بل رؤيةً من نافذةٍ أعلى من الكرسيّ نفسه فالإنسان يساوي القيمة التي يضعها لنفسه نعم..
لكن القيمة الحقيقية لا تُبنى بالتعالي بل بالتواضع الإنساني الواعي،
ولا تُشترى بالمنصب بل تُكتسب بالموقف
ولا تُفرض بالقوة بل تُمنح بالحب، وفي آخر المشوار
سيأتي يومٌ تُطوى فيه الملفات وتُغلق الأبواب وتُفرغ المكاتب من أصحابها..، ويبقى سؤال واحد يطارد كل من جلس يوماً على كرسيّ
هل كنتَ إنساناً حين كنتَ مسؤولاً أم كنتَ مسؤولاً فقط؟؟!!..
فالكرسيّ لا يصنع الرجال، بل الرجال هم من يمنحون الكرسي قيمته.. وما أعظم أن تغادر منصبكَ كما دخلته خفيف الظلّ ثقيل الأثر نقيّ الذكر…
أما الذين ظنّوا أن الدنيا لهم وحدهم، فستعلّمهم ولو بعد حين أن الطريق أطول من مناصبهم، وأن الإنسان الواعي الحقيقي لا يُعرف من مكانه بل من مكانته في قلوب الناس الذين ينظرون إليه من عين المحبة و التقدير والاحترام.