عواصم الثقافة العربية ومأزق “الاحتفالية”.. دمشق تكسر القيد بـ “دورة التحرير” بقلم: د. تميم حميدي
عواصم الثقافة العربية ومأزق “الاحتفالية”.. دمشق تكسر القيد بـ “دورة التحرير”
بقلم: د. تميم حميدي
عندما نضع مشروع “عواصم الثقافة العربية” تحت مجهر النقد، فإننا لا ننتقد النوايا، بل ننتقد تلك “الاحتفالية” المؤقتة التي تنتهي بانتهاء العام. ولكن، ومن قلب دمشق التي تنفض غبار السنين، نجد أنفسنا اليوم أمام نموذج استثنائي يتجاوز الاستعراض ليؤسس لنهضة مستدامة؛ إنه معرض الكتاب بدمشق في دورة وُصفت بحق أنها “دورة التحرير”.
انبعاث من رماد القمع: الرئيس والحرية
لا يمكن قراءة نجاح هذه الدورة بمعزل عن التحول الجذري في بنية الدولة السورية. فبعد عقود من “النظام الساقط” الذي حارب الفكر، واعتقل الحلم، وقتل وشرّد المثقفين، جاء افتتاح السيد رئيس الجمهورية أحمد الشرع وعقيلته للمعرض ليعلن تدشين عصر جديد.
إن هذا الحضور الرسمي الرفيع هو رسالة للعالم بأن سورية عادت لتكون حاضنة للعقل لا سجناً له. وتحت شعار “تاريخ نكتبه.. تاريخ نقرأه”، انطلق المعرض ليؤكد أننا اليوم نصنع تاريخنا بأقلامنا، بعد أن حُررت من أغلال الرقابة ومن مقصلة الاستبداد التي جاثمت على صدورنا طويلاً.
“الرقابة الصفرية”: فضاء فكري بلا حدود
لعل السمة الأبرز التي جعلت من هذه الدورة “استثنائية” هي إعلان الجهات المنظمة عن تلاشي القيود الرقابية وصولاً إلى “الرقابة الصفرية”. لأول مرة، يجد القارئ السوري كتباً ومؤلفات كانت ممنوعة لسنوات طويلة؛ حيث فُتحت الأبواب لكل التيارات الفكرية دون قيد أو شرط، مما خلق مساحة من التنفس الفكري الحقيقي والدبلوماسية الثقافية التي تلتقي فيها الأفكار بحرية مطلقة.
ملامح التحديث: ذكاء اصطناعي وشغف جماهيري
لم يقف التميز عند حدود الفكر، بل امتد ليرسخ مفهوم المؤسسة المستدامة عبر:
التقنيات الحديثة: إدخال خدمات تفاعلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتسهيل البحث وتوجيه الزوار، مما يعكس سورية الطموحة والمواكبة للعصر.
الإقبال الأسطوري: شهد المعرض إقبالاً جماهيرياً منقطع النظير، مدفوعاً بشغف استعادة الحياة الثقافية، وبالحسومات السعرية التي جعلت الكتاب في متناول الجميع.
جسور الأشقاء: شكر مستحق للرياض والدوحة
وفي إطار الدبلوماسية الثقافية، برزت المشاركة الوازنة لضيوف الشرف: المملكة العربية السعودية ودولة قطر. إن حضور الأشقاء في الدوحة والرياض لم يكن بروتوكولياً، بل كان جسراً حضارياً وتأكيداً على عمق الروابط العربية التي عادت لتزهر في دمشق. وبسبب أهمية هذا الحضور، سنفرد مقالنا القادم بإذن الله لقراءة أبعاد هذه المشاركة السعودية والقطرية وأثرها في المشهد الجديد.
إن عواصم الثقافة لا تنهض بالمهرجانات الزائلة، بل بالمؤسسات الراسخة كمعرض الكتاب. إننا اليوم، وبجناحي الثقافة في الداخل والمهجر، نصيغ خطاباً يتسم بالمعاصرة والانفتاح. لقد تهاوت أسوار القمع أمام سطوة الحرية، وبقيت دمشق، كما كانت دوماً، المنارة التي يقرأ فيها الجميع ويكتب فيها الجميع.. بكل تجرد.