بين مطرقة التضخم وسندان “الأمان الوظيفي”: هل انتهى زمن الطبقة الوسطى؟ بقلم: عامر الصومعي – سيدني

8

 

بين مطرقة التضخم وسندان “الأمان الوظيفي”: هل انتهى زمن الطبقة الوسطى؟

بقلم: عامر الصومعي – سيدني

في قلب الحي التجاري بمدينة سيدني، حيث تتسابق ناطحات السحاب في ملامسة الغيوم، يتردد سؤال بصدى مكتوم في المقاهي والمكاتب: هل لا يزال الحلم المالي الذي طالما آمنا به متاحاً للجميع؟ حين وضع القطب العقاري دونالد ترامب وخبير “الأب الغني” روبرت كيوساكي كتابهما المشترك «لماذا نريدك أن تكون غنيًا» عام 2006، لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان صرخة تحذير من زلزال اقتصادي تتواصل ارتداداته حتى اليوم.

الفكرة الأساسية: تعليم مالي لا وعود حكومية

الكتاب يقدم وجهتي نظر متقاطعتين لعملاقين في عالم المال؛ فترامب وكيوساكي يستعرضان خبراتهما لتأكيد حقيقة واحدة: النجاح المالي ليس صدفة، بل ثمرة تعليم مالي متعمق، والتحكم الكامل في المصير المالي عبر الاستثمار وبناء الأصول التي تدر دخلاً مستمراً. في زمن تقلصت فيه طبقة الموظفين والوظائف المضمونة، تصبح الحكومات والرواتب التقليدية غير كافية للحماية الاقتصادية.

الطبقة الوسطى.. انقراض صامت؟

المتأمل في الواقع اليوم يدرك أن المناطق الدافئة التي كانت تحتلها الطبقة الوسطى بدأت تبرد بسرعة. نحن نتحول تدريجياً إلى مجتمع ذي قطبين: أغنياء يملكون أدوات السيطرة، وموظفون تتآكل مدخراتهم بفعل الضرائب والتضخم. يشير الكتاب إلى أن المدارس تخرج موظفين بارعين، لكنها تفشل في تخرّيج عقول استثمارية، تاركة الأفراد عرضة لتقلبات السوق وعولمة الوظائف.

السيطرة والاستثمار الذكي

ما يميز فلسفة ترامب-كيوساكي هو التركيز على السيطرة. الاستثمار الذكي يمنحك التحكم في التدفق النقدي والضرائب، بينما الادخار السلبي يجعل الفرد رهينة للظروف الخارجية. فلسفة “الاستثمار لتربح” تختلف عن “الاستثمار لكي لا تخسر”؛ فالأولى تعني البحث عن الحرية، والثانية تعني الاكتفاء بفتات أمان يتآكل كل يوم. العقارات، بحسب الكتاب، توفر قدرة على السيطرة لا تتيحها الأسهم أو الصناديق التقليدية، مع عدة مصادر دخل متعددة تجعل الاستثمار أكثر قابلية للتنبؤ وأقل مخاطرة.

العقلية والبيئة المحفزة

النجاح المالي لا يعتمد على المال وحده، بل على عقلية المستثمر: المثابرة، الإبداع، والقدرة على القيادة. البيئة المناسبة تلعب دوراً أساسياً؛ حتى الشخص الموهوب قد يفشل إذا كان محاطاً بأشخاص أو ثقافة لا تشجع الطموح المالي. لذلك يؤكد الكتاب على اختيار المحيط بعناية: الأصدقاء، المرشدون، النوادي الاستثمارية، أو ورش العمل.

 

«لماذا نريدك أن تكون غنيًا» ليس مجرد كتاب عن المال، بل دعوة لإعادة التفكير في علاقتنا بالعمل، الاستثمار، والتعليم المالي. العالم تغير، والقواعد القديمة ماتت. الثراء اليوم ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء والاستقرار في عالم لا يحترم إلا الأقوياء مالياً وفكرياً وفكرياً. الرسالة واضحة: كن جزءاً من الحل، لا ضحية للمشكلة.