انكسار “الفيتو”: هل استبدل العالم “شرعية 1945” بـ “فعالية 2026″؟ بقلم: عامر الصومعي – سيدني
انكسار “الفيتو”: هل استبدل العالم “شرعية 1945” بـ “فعالية 2026″؟
بقلم: عامر الصومعي – سيدني
من رصيف الميناء في “سيدني”، حيث ترحلُ السفنُ لتطوي المسافات نحو عالمٍ يموجُ بالتحولات، أقفُ متأملاً في أفق عام 2026. لم يعد المشهد الدولي اليوم مجرد خلافاتٍ سياسية عابرة، بل هو زلزالٌ هيكلي يقتلعُ جذور النظام الذي ألفناه لثمانين عاماً. إننا نشهد اللحظة التي يتقاعد فيها التاريخ القديم، ليترك الساحة لواقعٍ جديد لا يعترف إلا بلغة الأرقام وخرائط النفوذ.
إن هذه الرحلة الطويلة لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت من رحم الفشل الذريع لـ “عصبة الأمم” التي سقطت في اختبار الحرب العالمية الثانية، لتنبثق من أنقاضها “الأمم المتحدة” في عام 1945؛ حلمٌ بائسٌ يَعِدُ بشريةً منهكة بأن “لا حرب بعد اليوم”. لكن ذلك الوعد وُلد مكبلاً في زنزانةٍ مظلمة أسموها “حق النقض” أو “الفيتو”، ذلك الصنم الذي نُصب في ردهات نيويورك، وتحول بمرور العقود من “حارسٍ للتوازن” إلى “مقصلةٍ للعدالة”، مما تسبب في شللٍ تام للمنظمة أمام المجازر والأزمات الكبرى، حتى غدت الأمم المتحدة مجرد شاهدٍ عاجز يوزع الضمادات والخطابات بينما تشتعل الأرضُ من تحت أقدامه.
وهنا، يبرزُ اسم الأسترالي الفذ الدكتور “إتش. في. إيفات” (H.V. Evatt)، ذلك القائد الذي لم يكن مجرد وزير خارجية لأستراليا، بل كان “الدينامو” المحرك للمنظمة في مهدها. ففي عام 1945، قاد “إيفات” جبهة الدول المتوسطة في “سان فرانسيسكو” بشجاعةٍ نادرة ضد “الفيتو”، محذراً من أنه سيخنق روح العدالة الدولية. ورغم أن أستراليا لم تشغل منصب “الأمين العام” قط، إلا أن “إيفات” صنع مجدها حين ارتقى ليكون رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة (1948-1949)؛ وهو المنصب الأممي الأرفع الذي وصلت إليه أستراليا، ومن خلاله أشرف على ولادة “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، واضعاً بصمة “سيدني” في قلب الضمير العالمي.
أما اليوم، وفي يناير من عام 2026، فإننا نرى بزوغ “مجلس السلام العالمي الجديد” (Board of Peace) كبديلٍ تنفيذي يرتكز على أنقاض ذلك الفشل الأممي المزمن. هذا المجلس الذي نشأ من رحم الرؤية الأمريكية الحالية، يطرح فلسفة “التحول لا الهجوم”، حيث تسقط الأيديولوجيات أمام “فيتو المساهمة” وقوة الإنجاز المالي والتقني. نحن أمام تحولٍ جذري من عالم “المنتدى” الذي يكتفي بالكلمات، إلى عالم “مجلس الإدارة” الذي يبرم الصفقات وينهي النزاعات بمنطق الفعالية والتمويل، وهو ما يتجلى في الإدارة المباشرة لقطاع غزة وإعادة إعماره كأولى تجارب هذا النظام الجديد.
إن مستقبلنا يتأرجحُ اليوم بين سيناريوهين مريرين؛ فإما “موتٌ سريري” للأمم المتحدة يجعل منها مجرد منظمة إغاثية رمزية تقتات على بقايا شرعيتها الأخلاقية، وإما “انقسامٌ كوني” إلى نظامين؛ أحدهما يديره “مجلس السلام” ببراغماتية الصفقات والقيادة الفردية، والآخر متمسكٌ بأطلال “الفيتو” القديم. وبين “الزجاج الأزرق” الذي يكسوه الشحوب في نيويورك، وأبراج “مجلس السلام” التي تتطاول في الأفق، نخشى في أستراليا اليوم أن يضيع إرث “إيفات” في زحمة المصالح الباردة. فالسلام الذي لا تنبتُ أزهاره من تربة العدالة الصافية سيظل هشاً كبيوت الرمل التي تذروها الرياح على شواطئنا هنا في سيدني، ليبقى السؤالُ معلقاً: هل انتهت فرصة الإصلاح فعلاً، أم أننا نكتبُ اليوم الفصل الأخير في كتاب القانون الدولي الذي بدأناه معاً في 1945؟