حين يُترك الأطفال في مهبّ السياسة بقلم د. عمر المحمد

7

 

تخبط القوانين الألمانية في ملف اللجوء… حين يُترك الأطفال في مهبّ السياسة

تشهد الساحة الألمانية في السنوات الأخيرة حالة واضحة من التخبط القانوني والإداري في التعامل مع ملف اللجوء والاندماج، وهو تخبط لم يعد ينعكس فقط على أوضاع اللاجئين القانونية والمعيشية، بل بدأ يمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي بشكل مقلق، خاصة عند فئة القاصرين.
ففي الوقت الذي تفرض فيه السلطات الألمانية قيودًا صارمة على عائلات لاجئة أنهكتها الإجراءات البيروقراطية، وتُبقي ملفاتهم معلّقة لسنوات تحت ذرائع قانونية متغيرة، نشهد في المقابل تساهلًا غير مفهوم في ملفات أخرى، ما يخلق حالة من الازدواجية القانونية ويفقد مبدأ العدالة معناه الحقيقي.
الأخطر من ذلك، هو ما نراه مؤخرًا من بروز أطفال وقاصرين حصلوا حديثًا على الجنسية الألمانية، وبدأوا بالظهور في الفضاء العام والإعلامي وهم يتحدثون في قضايا سياسية معقّدة، تارة باسم أحزاب ألمانية، وتارة عبر وسائل إعلام، وتارة أخرى باسم جهات أو تنظيمات ذات طابع عسكري أو سياسي خارج الإطار الألماني.
إن إشراك الأطفال في صراعات سياسية وأيديولوجية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يُعد إخفاقًا واضحًا لمنظومة الحماية القانونية والطفولية التي طالما تباهت بها ألمانيا. فالطفل، وفقًا للقانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل، يجب أن يُحمى من الاستغلال السياسي، لا أن يُدفع ليكون أداة خطاب أو صراع.
كما يلفت الانتباه أن الخطاب المستخدم في بعض هذه الحالات يعيد إنتاج انقسامات وهويات فرعية حادة، تُزرع في وعي الجيل الجديد بدل تعزيز قيم المواطنة الجامعة، والتعايش، والاحترام المتبادل. وهو أمر يطرح تساؤلات جدية حول دور مؤسسات الاندماج والتعليم، وحول المسؤولية الأخلاقية والقانونية للجهات التي تسمح أو تشجع هذا المسار.
لقد عُرفت سوريا تاريخيًا بتنوعها الاجتماعي والثقافي، لكن تحويل هذا التنوع إلى أداة صراع سياسي أو خطاب إقصائي داخل المجتمع الألماني، لا يخدم لا اللاجئين ولا الدولة المضيفة، بل يهدد السلم الاجتماعي ويزرع بذور توتر طويل الأمد.
إن معالجة هذه الظواهر لا تكون عبر الإنكار أو التبرير، بل من خلال مراجعة شاملة لسياسات اللجوء والاندماج، وضبط العلاقة بين السياسة والإعلام، وحماية الأطفال من أي توظيف يتجاوز أعمارهم ووعيهم وحقوقهم الأساسية.

د. عمر المحمد
دكتوراه في القانون الدولي والدبلوماسي وإدارة السفارات – ألمانيا