سوريا في العتمة الرقمية بقلم الإعلامي سليمان أمين
سوريا في العتمة الرقمية: ماذا يكشف انهيار الإنترنت عن هشاشة البنية والسيادة التقنية
بقعة ضوء : الإعلامي سليمان أمين
في السادس من فبراير، استفاق السوريون على اضطراب واسع وغير مسبوق في خدمات الإنترنت والاتصالات. خلال ساعات قليلة، بدت البلاد وكأنها انزلقت إلى “عتمة رقمية” جزئية، انعكست فورًا على القطاعات الاقتصادية والخدمية والإعلامية، وأعادت طرح سؤال جوهري ظل مؤجلًا لسنوات: إلى أي حد باتت البنية التحتية الرقمية في سوريا قادرة على الصمود؟
وفق بيانات صادرة عن منصات دولية تراقب حركة الشبكات، شهدت سوريا تراجعًا حادًا في حجم الاتصال بالإنترنت، قدّرته بعض المؤشرات بما يصل إلى نحو 70–75% من السعة المعتادة. ورغم أن هذه الأرقام تبقى تقديرية وتعتمد على قياسات غير مباشرة، فإن الإجماع التقني يكاد ينعقد على أن ما جرى لا يمكن اعتباره انقطاعًا روتينيًا أو خللًا محدود النطاق.
بنية قديمة تحت ضغط متراكم
لفهم الحدث، لا بد من النظر إلى السياق الأوسع. قطاع الاتصالات السوري يعاني منذ أكثر من عقد من ضعف الاستثمار، وتقادم المعدات، وصعوبات الاستيراد والصيانة، فضلًا عن هجرة الكفاءات التقنية. هذه العوامل جعلت الشبكة تعمل عند حدودها الدنيا، بحيث يصبح أي خلل مركزي—سواء في الطاقة، أو أنظمة التوجيه، أو نقاط الربط الدولية—قادرًا على التسبب باضطراب واسع.
كما أن اعتماد البلاد على عدد محدود من المسارات الدولية للإنترنت يزيد من هشاشتها. ففي مثل هذه البيئات، لا يتطلب الأمر سوى حادث واحد في نقطة حرجة ليظهر الخلل على مستوى وطني، وهو ما يفسر الطابع المتزامن للانقطاع في مناطق متباعدة.
عطل فني أم هجوم سيبراني؟
تعددت التفسيرات حول طبيعة ما جرى. بعض التحليلات ذهبت إلى ترجيح سيناريو الهجوم السيبراني، مستندة إلى حجم الانقطاع وتوقيته المفاجئ. في المقابل، حذّر خبراء من القفز إلى استنتاجات سياسية أو أمنية دون أدلة تقنية منشورة، مشيرين إلى أن الأعطال الكبرى في شبكات قديمة ومركزية ليست أمرًا نادراً.
حتى الآن، لم تصدر رواية تقنية مفصلة وشفافة توضح أسباب الانقطاع، ما ترك المجال مفتوحًا أمام التكهنات. هذا الغياب للمعلومات لا يقل خطورة عن العطل نفسه، لأنه يفاقم فقدان الثقة بين المستخدمين والمؤسسات المشغلة.
التوقيت والسياق الاقتصادي
أثار توقيت الانقطاع تساؤلات إضافية، خصوصًا أنه تزامن مع حديث متزايد عن مشاريع لإعادة هيكلة قطاع الاتصالات، وإدخال استثمارات أو شراكات إقليمية لتحديث الشبكة. في مثل هذه اللحظات الانتقالية، يصبح القطاع أكثر حساسية، وتتحول الأعطال التقنية إلى أحداث ذات أبعاد سياسية واقتصادية.
غير أن الربط المباشر بين الانقطاع ومسار هذه المشاريع يبقى افتراضيًا. فالوقائع المتاحة لا تسمح بالجزم بوجود علاقة سببية، لكنها تكشف في المقابل عن واقع هش يجعل أي تحول في القطاع محفوفًا بالمخاطر التقنية.
السيادة الرقمية على المحك
أحد أبرز الدروس التي أعاد الحدث تسليط الضوء عليها هو مسألة السيادة الرقمية. فمع تزايد الاعتماد على تمويل خارجي، أو على شركات دولية لإدارة البنية التحتية، تبرز تساؤلات حول من يملك القرار التقني، ومن يتحكم بالبيانات، وكيف يمكن ضمان مصالح المستخدمين في بيئة معقدة سياسياً.
هذه الإشكالية لا تخص سوريا وحدها، لكنها تكتسب فيها طابعًا أكثر حدة بسبب تراجع القدرة المؤسسية وضعف الشفافية. فغياب استراتيجية وطنية واضحة للأمن السيبراني وإدارة الشبكات يجعل البلاد أكثر عرضة للصدمات، سواء كانت تقنية أو أمنية.
صمت إقليمي ودولي
لوحظ أيضًا محدودية ردود الفعل الإقليمية والدولية. فمؤسسات معنية بالاتصالات أو بالأمن الرقمي لم تصدر مواقف تفصيلية، وهو ما فُسّر إما بغياب معلومات مؤكدة، أو بحساسية الملف سياسيًا. في الحالتين، يبقى المستخدم السوري الطرف الأكثر تضررًا من هذا الصمت.
ختاماً:
ما جرى في السادس من فبراير لا يمكن اختزاله في حادثة واحدة أو تفسير أحادي. إنه نتيجة تراكم طويل من الإهمال البنيوي، والضغط الاقتصادي، وضعف الحوكمة التقنية. “الصدمة الرقمية” لم تكن سبب الأزمة بقدر ما كانت كاشفًا لها. وإذا كان تحديث البنية التحتية بات ضرورة لا خلاف عليها، فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحقيق ذلك دون تعميق فقدان السيادة الرقمية، أو ترك المجتمع رهينة لشبكات لا يملك السيطرة عليها.