أدونيس ونموذج المثقف في برجه العاجي بقلم: عامر الصومعي.
أدونيس ونموذج المثقف في برجه العاجي
بقلم: عامر الصومعي – سيدني
في عالم الأفكار، ثمة خيط رفيع يفصل بين العبقرية وبين “النرجسية المعرفية”. الأخطر من الجهل هو ذلك الشعور الزائف بالحق الذي يتلبس بعض المثقفين، فيظنون أنهم ملكوا مفاتيح الحقيقة المطلقة، وأن الشعوب ليست سوى قطيع يحتاج لمن يملي عليه “حداثته”. ولعل نموذج الشاعر “أدونيس” يمثل تجسيداً صارخاً لهذا الانفصام بين الأسطورة الشخصية والواقع المرير.
يبدأ زيف هذا النموذج من الجذر؛ من محاولة صناعة “هالة” سياسية وثقافية غير حقيقية. ظل أدونيس يسوق لقصة ابتعاثه للدراسة من قبل الرئيس شكري القوتلي بعد إلقائه قصيدة أمامه، وهي الرواية التي فككها المؤرخون والوثائق مؤخراً لتكشف عن محاولة بائسة لربط الذات بالسلطة والشرعية التاريخية منذ البداية. هذا “التزييف” في السيرة الذاتية ليس مجرد هفوة، بل هو حجر الزاوية في بناء “الشعور الزائف بالحق”؛ فالمثقف الذي يخترع بداياته، لن يتردد في اختراع حقائق تناسب استعلاءه الثقافي لاحقاً.
وتتجلى إشكالية أدونيس في مواقفه السياسية المترددة والمثيرة للجدل، حيث يتحول “الشعور بالحق” إلى وسيلة للهروب من الاستحقاقات الأخلاقية. المثقف المزيف هو من يستخدم لغة فلسفية معقدة ليبرر صمته أو انحيازه، مدعياً أنه يرى “ما لا نراه”. في هذه الحالة، يصبح اليقين نابعاً من الرغبة في الحفاظ على صورة “المفكر المتعالي” الذي لا تشغله دماء الضحايا بقدر ما تشغله “جماليات الهدم والبناء” في نصوصه المتكلفة.
وفي العلاقات الثقافية، يظهر هذا النموذج كشخصية لا تقبل النقد. “أدونيس” في حواراته يبدو وكأنه لا يحاور أحداً، بل يلقي مواعظ من فوق منبر حداثي متصنم. هذا اليقين الزائف يقتل جوهر الحداثة الذي يدعو إليه؛ فالحداثة هي “السؤال الدائم”، بينما هو يقدم “أجوبة نهائية” مغلفة بغموض مقصود لإرهاب القارئ معنوياً.
إن مأساة هذا النوع من المثقفين هي تحولهم إلى “أصنام فكرية”. الشعور الزائف بالحق يمنعهم من رؤية تناقضاتهم؛ فهم يلعنون الاستبداد في كتبهم، لكنهم يمارسونه فكرياً على كل من يخالفهم الرأي، ويحتقرون “العوام” الذين لا يفهمون طلاسمهم. إنهم “مزيفون” ليس لنقص في اطلاعهم، بل لافتقارهم إلى “أخلاق المعرفة” والتواضع أمام الحقائق التي لا تُشترى بالمنح أو تُصنع بالادعاءات.
إن الحاجة اليوم هي لمثقف “عضوي” يشعر بآلام الناس بصدق، لا لمثقف يبني مجده على قصص مختلقة ويقتات على وهم اليقين الأدونيسي. الحقيقة ليست حكراً على من يكتب قصيدة النثر أو يدعي “ابتعاثاً” رئاسياً، بل هي ملك لمن يملك الشجاعة ليقف مع الإنسان المظلوم، ويضع كرامة البشر فوق بلاغة اللغة وزيف الادعاء.