من “الحبانجي” إلى أمجد يوسف: كيف يصنع الخوفُ جلادَه؟ بقلم: عامر الصومعي – سيدني
من “الحبانجي” إلى أمجد يوسف: كيف يصنع الخوفُ جلادَه؟
بقلم: عامر الصومعي – سيدني
حين نفتح صفحات رواية “حبانجي” للكاتب نصار الحسن، قد يتسلل إلينا انطباع أولي بأننا أمام نص يرصد مجرد سلوكيات اجتماعية فرضتها سنوات القمع في سوريا؛ حيث يلتف الأفراد حول خوفهم، يناورون، يتلونون، ويصقلون مهارات النجاة في عالم لا يمنح جوائزه للصادقين. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الرواية تتجاوز التوثيق الاجتماعي العابر، لتقف بجرأة أمام السؤال الأكثر إيلاماً في الوجدان السوري: كيف يتحول الإنسان من ضحية محتملة للخوف إلى أداة فاعلة في صناعته؟
يكتسب هذا التساؤل ثقلاً مرعباً حين نسقطه على الوقائع الموثقة، وعلى رأسها “مجزرة التضامن”. تلك التسجيلات التي صدمت العالم لم تكن مجرد توثيق لعنف وحشي، بل كانت عرضاً مكتملاً لتحول الكائن البشري إلى منفذ بارد للقتل. وهنا تحديداً، تستعيد شخصية “الحبانجي” في الرواية معناها الأخطر.
إن “الحبانجي” ليس مجرماً بالمعنى التقليدي الفج؛ فهو لا يحمل السلاح بالضرورة، ولا يقف بالضرورة فوق حفرة جماعية ليضغط الزناد. لكنه يجسد “المرحلة التمهيدية” لكل ذلك؛ هي تلك اللحظة التي يتعلم فيها الإنسان أن الصمت أمان، وأن التكيف غنيمة، وأن النجاة الفردية مبرر كافٍ لدهس أي قيمة جماعية.
تكمن روعة الرواية ورهبتها في آن واحد، في كونها لا تشرح الجريمة بوصفها انفجاراً مفاجئاً للوحشية، بل كمسارٍ يبدأ قبل سنوات من لحظة الضغط على الزناد. تبدأ الجريمة يوم يقتنع الفرد بأن الاعتراض عبث محض، وأن الأخلاق رفاهية لا يملك ثمنها، وأن النجاة الشخصية هي الحقيقة الوحيدة المطلقة. في تلك اللحظة تحديداً، يُولد “الحبانجي” داخل الروح.
وإذا ما استمر هذا المسار تحت ظروف معينة، فإن “الحبانجي” قد يتطور ليصبح “منفذاً”. ويمكننا قراءة شخصيات الرواية كدرجات في سلم واحد صاعد نحو الجحيم:
في القاعدة: يقف الإنسان الخائف الذي يلوذ بالصمت طلباً للسلامة.
في الوسط: يبرز “الحبانجي” الذي يحول ذلك الصمت إلى “مهارة” اجتماعية واحتراف للانتهازية.
في مرتبة أعلى: نجد شخصيات (مثل المحامي كرم) التي تمنح هذا السقوط غطاءً عقلانياً وتبريراً قانونياً أو براغماتياً.
في الذروة: نصل إلى النموذج الذي جسدته فيديوهات “التضامن”؛ الإنسان الذي لم يعد يكتفي بالانحناء للعنف، بل صار يمارسه بدم بارد.
إن المسافة بين “الحبانجي” وبين أمجد يوسف — كرموز لا كأشخاص — هي مسافة أقصر مما نتخيل. ليس المقصود أن كل متكيف هو مشروع قاتل، فهذا تبسيط مخل، لكن الحقيقة التي تهمس بها الرواية هي أن منظومة القتل الكبرى لا تقوم على أكتاف المنفذين وحدهم، بل تحتاج إلى بيئة شاسعة من الصامتين، والمبررين، والمتكيفين الذين أقنعوا أنفسهم بأن “لا جدوى”.
الجلاد لا يعمل في فراغ؛ فخلفه دائماً جيش ممن فضلوا “الحكمة” على الحقيقة، والنجاة على المبدأ. وهنا تصبح الرواية نصاً فلسفياً عن بنية الاستبداد العميقة، ذلك النظام الذي لا يحكم بالأغلال فقط، بل بإعادة صياغة النفس البشرية؛ يدربها على الانحناء حتى تنسى يوماً أنها كانت منتصبة.
حين شاهد العالم مجزرة التضامن، صرخ الجميع: “كيف يستطيع إنسان فعل ذلك؟”. لكن نصار الحسن في “حبانجي” يقترح سؤالاً أكثر دقة: “ما الذي يجب أن يحدث داخل الإنسان، وعلى مدى سنوات، لكي يصل إلى القدرة على فعل ذلك؟”.
إنها رواية عن تلك “المراحل الرمادية”، عن اللحظات الصغيرة التي بدا فيها التنازل بسيطاً، والخوف عذراً مقبولاً. قوة هذا النص تكمن في أنه لا يقدّم إدانة سهلة للشر البعيد، بل يضعنا أمام مرايا أنفسنا، متسائلاً بمرارة: كم خطوة تفصل بين الإنسان العادي، وبين “الحبانجي”، وصولاً إلى الجلاد؟
رواية “حبانجي” لا تضع الوحش في قفص بعيد، بل تجعلنا نراه كاحتمال كامن يبدأ من خوف صغير، آثرنا ألا نواجهه في وقته، فكبر حتى ابتلع كل شيء.