من ذاكرة الأبواب الجليديّة لأسمى وزوز

45

عندما نعبر الأبواب المؤدّية لسراديب الذّاكرة تعترينا كثيرٌ من المباغتات، كثيرٌ من الرّجات، كثيرٌ من العواصف التي تحول بيننا وبين الوصول لآخر منعطفٍ كان لنا.
نصمت حينها، ونقف طويلًا أمام تلك العناوين التي ظننّاها آلت بنا للخراب، أو محاها الرّيح بعصفه الأخير، نتحسّس فيها أشياءنا التي فقدناها ذات عصفٍ، ذات ليلٍ مخادعٍ سرق منّا أحلامنا، وأركنها في طرقات الجليد، بعيدًا عنّا بأطول من عمر السّنين.
نجد كلّ شيء كان لنا، هدايانا التي غطّاها غبار الوقت، غبار النّكران، غبار الجفوة والخيانات.
نجد رسائلنا المنقّطة بدم الوريد، حروفها المنسيّة يوم غاب الفجر، يوم رحيل الشّمس إلى أرضٍ أخرى لم ندرك رسم خرائطها، ولم نجد عنوانًا لها حينها، وتركناها بين حزن الفقد، وصمت القهر الذي أسكت فينا الكلمات قبل أن يُسمع صوت نحيبها المعهود.
كلّ شيء وجدناه هناك، ولكن نحن لم نعد نحن كما كنّا قبل قسوة العناوين، ولا كما كانت أيدينا تحسن رسم الحروف، ولا كما كانت أصواتنا تغنّي للحبّ، للعشق، للفجر، للعيد، للمساء، للطّريق الجديد، ولا لضوء القناديل في ذاك المفترق الجميل.
وجدنا أنفسنا بذاتٍ أخرى فقدت الأمان بكلّ الأبواب الموصلة لذاكرةٍ أركنت فيها كلّ ما كان، كلّ ما لنا عبر ألف عام.
وكأنّنا عدنا نبحث عنّا، نبحث عن فرحتنا التي كانت، عن حلمٍ طويناه في مذكّرات الآتي الذي لم يأذنْ له الزّمن أن يُفتح بعد، ولم يُقدَّر له بالخلود.
قاسيةٌ تلك العودة، قاسٍ ذاك الوقوف على بوابات الذّاكرة، قاسٍ أن نفتّش عن عناويننا ولا نجدها، أو نجدها وليس هي التي تركناها، ولا نحن كما تركتنا.
لا الرّسائل كما نشتهي، ولا الطّرقات كما مشيناها ذات مطرٍ، ولا مِظلّة السّاعات الشّتويّة عرفتنا، ولا خطانا التي آلمنا بردها في ليلة صقيع.
وعدنا نغلق الأبواب، بابًا وراء باب، وغادرنا كلّ السّراديب، وطوينا تلك الرّسائل بغبارها، وأدركْنا هنا أنّه لا نحن ولا شيء يعود كما كان قبل عصف الرّيح، ولا القلب فينا يحتمل الرّجوع.
#أسمى وزوز
10/فبراير / 2022
من ذاكرة الأبواب الجليديّة