تاريخ ظهور النحو العربي المصطلحي وتقعيد القواعد  }}  بقلم عاج شمالي

6

{{  تاريخ ظهور النحو العربي المصطلحي وتقعيد القواعد  }}

 

بموضوع تخصصي يهتم به و يحبّه ويَنشَدُّ إليه من يعشق اللغة العربية وفنونها وعلومها أفاض الدكتور الباحث سليمان محمد حسين بمحاضرة قيّمة تحمل في طياتها الأساس والتاريخ والسياق  وعنوانها

 

{{  تاريخ ظهور النحو العربي المصطلحي وتقعيد القواعد  }}

 

والتي احتضنها المركز الثقافي العربي في المزة ضمن أنشطته الثقافية المعرفية

إذ بدأ الحديث متطرقاً لإشكالات مجال النحو العربي الكثيرة وأكبرها عدم الاهتمام به كما يجب رغم كثرة الكتب التي أصدرت بهذا المجال حيث تم الاتجاه الى مصادر معينة دون غيرها والاتجاه للمنحى التعليمي فقط ثم أردف قائلاً :

قد انتقل النحو العربي من الأمور القاعدية الى الأمور الفكرية والذهنية حيث عالج البلاغيون العرب جزء كبيراً منها ولم يفصلوا بين البنية البلاغية والبنية النحوية فسمَوا تطوير النحو اسم” البلاغة ” و هناك تقاطعات هائلة بين المنجز التراثي العربي إذا أردنا  الجمع بين النحو والبلاغة وكان السكاكي من كبار العلماء حيث ألف كتاباً بعنوان ((  مفتاح العلوم ))  إذ جمع فيه علوم اللغة العربية كافة فكان مرجعاً علمياً لمن جاء بعده من طلاب الدراسات العليا في اللغة والفلسفة .

 

تابع بعد ذلك ليغوص في بحر النحو من خلال الحديث عن   تاريخ ظهور النحو العربي وتقعيد القواعد

فقال :

إن العنوان الذي نبحث فيه هو تاريخ ظهور النحو العربي في ميزان التحقيق لا في ميزان التقديس

والسؤال المركزي في تاريخ الثقافة العربية متى ظهر النحو العربي

وسنقدم جواباً دقيقاً زمنياً مع تفريق منهجي بين النحو الفطري والنحو التعليمي والنحو المصطلحي المقعّد

 

أولاً : قبل النحو المصطلحي كان هناك المرحلة الشفوية الفطرية  :

حيث نركز فيها على قداسة المشافهة عند العرب قبل الإسلام ، إذ لم يهتموا بالكتابة والتدوين ، بل كانت العربية مَلَكة سليقيّة يتكلمون بها صحيحة دون قواعد ، وبالتالي وصلنا إلى لغة عربية متطورة استغرقت مدة زمنية طويلة من الكتابة والتدوين حتى وصلت لشعراء المعلقات ثم القرآن الكريم ثم إلى ما دُوِّنَ بعد ذلك من الثقافات والعلوم والفلسفة .

إذن فالعرب قبل الإسلام لم يعرفوا نحواً مدوّناً ولا مصطلحات وكان الخطأ النحوي نادراً بل عيباً اجتماعياً آنذاك .

 

ثانياً : دوافع ظهور النحو

 

في القرن الأول الهجري لم يكن ظهور النحو ترفاً علمياً أو كمالياً بل كان ضرورة حضارية بسبب اتساع الفتوحات ودخول الأعاجم في الإسلام وشيوع اللحن في قراءة القرآن والخطاب العام والخوف من تحريف المعنى الديني والعبارة المشهورة المنسوبة للإمام علي ابن أبي طالب رضي الله عنه

((  أخاف ان يفسد هذا اللسان كما فسد غيره   ))

 

فكانت البدايات الأولى للنحو  بشكل نحو غير مكتمل بلا تقعيد وبلا قواعد ، وكان أبو الأسود الدؤلي الذي توفي سنه 69 للهجرة تقريبا ً  يُعَدُّ المؤسس الأول للنحو حيث وضع تقسيم الكلام الى إسم ، وفعل،  وحرف ، وأشار إشارات أولية للإعراب وضبط المصحف بالنقط لكنه لم يضع علماً متكاملاً ولا منظومة مصطلحية دقيقة ولا قياساً ولا عللا ، فيمكننا تسمية هذه المرحلة بمرحلة الجنين النحوي …

 

أما ظهور المصطلح النحوي المقعّد فكان في القرن الثاني الهجري وهي لحظة التأسيس العلمي ، و هنا يبدأ النحو كعلم مستقل له مصطلحات ،  أبواب ، قياس ، علل ، واستقراء ، وبداية ظهور المدارس النحوية كمدرسة البصرة وهي الأهم بين المدارس النحوية التي ظهرت وكان من أبرز أسمائها  (( عبد الله بن أبي اسحاق )) الذي توفي سنه 117 للهجرة و (( الخليل ابن أحمد الفراهيدي ))  الذي توفي سنة 175 للهجرة  و (( سيباويه )) الذي توفي سنة 180 للهجرة والذي كان تلميذاً عند الخليل بن أحمد الفراهيدي

واللحظة الحاسمة في كتابة النحو العربي هي كتاب سيبويه الذي يقدّر بأنه أُلِّفَ بين سنة 170 للهجرة و 180 للهجرة فكتابه هو ميلاد النحو المصطلحي الحقيقي إذ نجد فيه لأول مرة مصطلحات مضبوطة كالعامل ، والمعمول ، والرفع ، والنصب ، والجر ، والجزم ، والإعراب ، والبناء وتقعيداً شاملاً،  واعتماداً على السماع والقياس والعلة ،  لذلك يمكن القول بثقة أن النحو العربي وُلدَ علماً مكتملاً مع كتاب سيبويه .

أما في القرن الثالث الهجري وبعد سيبويه ظهر المزيد من التفريع والتقّعيد وظهرت الظاهرة الأكثر حضارية في الجدل البصري الكوفي أي المدرسة الكوفية وأشهر أعلامها الكسائي الذي توفي سنة 189 للهجرة و الفرَّاء الذي توفي سنة 207 للهجرة فقد ركزت هذه المدرسة على السماع وعلى لهجات العرب

إذاً فالنحو العربي لم يظهر دفعة واحدة بل تخلَّقَ تاريخياً لكن تقعيده المصطلحي اكتمل في القرن الثاني الهجري وتُوِّجَ بكتاب سيبويه .

وعند السؤال هل الخليل ابن أحمد الفراهيدي قد أملى على سيبويه الكتاب ؟ ؟

هناك بعض الحقائق والدلالات والتحقيق الذي يثبت في إن كان قد أملاه أم لا   وهي :

1ً – العلاقة بين الخليل وسيبويه ثابتة فالخليل هو أستاذ سيبويه ومرجعه الأعلى ومصدر كثير من آرائه

2ً – في الكتاب يقول سيبويه سألته عشرات المرات أي أنه سأل أستاذه ، و قال الخليل و قول الخليل ،  معنى ذلك أن هناك حواراً مباشراً بين الأستاذ الخليل وتلميذه سيبويه وهذا دليل مستنتج يدل على التعليم المباشر وحوار حي لا مجرد نقل .

3ً – هل أملى الخليل كتابه على سيبويه ؟؟

القول بالإملاء الحرفي الكامل غير صحيح علمياً ولا يوجد نص تاريخي موثوق ولا رواية مسندة تقول : (إن الخليل أملى الكتاب كاملاً على سيبويه ) وهذه فكرة متأخرة نشأت بسبب عدة عوامل :

1- عظمة الخليل حيث كان عالماً عظيماً ابتدع عدة علوم من أشهرها علم العروض وكتاب مشهور في اللغويات     ” معجم العين” الذي ألَّفه بترتيب صوتي لم يُسبق إليه الخليل من أحد ولم يعد بعده حيث يحتوي على ثروة لغوية هائلة جداً ، و يمكننا أن نعتبره معجمياً أو لغوياً أو موسيقياً من حيث مخارج الحروف والأصوات والموسيقى واللغة .

والكثير مما قرأنا في اللسانيات الحديثة نجد أنها أصداء لما كتبه الخليل ابن أحمد الفراهيدي في كتاب العين لكن بمصطلحات حديثة مختلفة

2- ضخامة كتاب سيبويه إذ لم يظنوا أن أعجمياً مثله يمكن أن ينتج كتاباً في العربية ككتاب سيبويه وكانت من عادة العرب ان يردّوا أصل الصنعة أو الحرفة لشيخ الصنعة أي كانوا يردون النحو واللغة الى شيخ واحد وهو  الخليل ابن أحمد الفراهيدي فكانوا يقولون شيخ النحو هو الخليل وبالتالي نصل الى الخلاصة بالصيغة الدقيقة ومفادها

إن الخليل لم يملي الكتاب على سيبويه لكنه أملى العلم والمنهج بمعنى أن الخليل وضع الأسس

كفكرة العامل ، والقياس ، والتعليل ، ومنهج الاستقرار ، وسيبويه صاغ ونظّم وبنى النسق الكلي وهذا يعني أن الكتاب تدوين عبقري لمنهج الخليل بقلم سيبويه والأدلة التي توصّلتُ إليها متّبِعاً منهج البخاري في التحقيق والتدقيق بأن الكتاب لم يملى هي :

-الكتاب مليء بالتردد والترجيح والاعتراض وقوله ( وزعموا وغيرها  ) لا تكون ابداً في كتاب مُملى

– وجود آراء تخالف الخليل إذ أن سيبويه يخالف الخليل في كثير من الأحيان ولو كان إملاءً لما خالف التلميذ أستاذه ولا نسبَ الرأي لغيره

– أيضاً غياب المقدمة التعليمية حيث أن كتب الإملاء كما تعوّدنا عليها في المكتبة العربية وخاصة تلك التي نشأت في القرن السابع الهجري الذي اشتهر بتأليف الكتب الموسوعية ، كانوا يضعون مقدمة تعليمية وخاصة في الكتب  المُمْلات .

– والسؤال لماذا اشتهرت مقولة أملاه الخليل ؟؟

ذلك لعدة أسباب ثقافية علمية كثيرة منها :

تقديس الشيخ المؤسس ، وصغر سن سيبويه ، ووفاته المبكرة ، وضخامة الكتاب مقارنة بعمر صاحبه ، وميل الثقافة العربية إلى رد العبقرية للفرد الواحد كما أسلفنا ذكره  .

 

فالخلاصة أن الخليل ابن أحمد الفراهيدي هو الأب المنهجي للنحو  وسيبويه هو الإبن الذي دون ونسق وأعطى النحو شكله النهائي لا إملاء حرفياً بل تكويناً عقلياً عميقاً والعبارة النقدية الموجزة التي تصلح للاقتباس

{{ لم يملِ الخليل كتاب سيبويه لكن سيبويه كتب بعقلٍ صاغه الخليل والجواب عليه يقتضي تمييز الرواية عن الانطباع والنص عن التأويل }} .

 

اما فيما يتعلق بما يسمى النحو الذهني والذي له علاقة باللسانيات ومنتجات العقل الحديث من الحداثة وما بعد الحداثة

فقد شرح عنها الدكتور سليمان قائلاً :

 

هذه فقرة عن النحو الذهني في القصيدة الحديثة وهي قضية تطبيقية فنقول

النحو في القصيدة الحديثة لا يؤدي وظيفة الربط فقط بين الكلمات بل يتحول الى أداة لبناء الصور الذهنية المعقدة المتحركة المتقطعة ،

أحياناً تتماهى العلاقات النحوية مع العلاقات المعرفية الإدراكية فهكذا يجب ان ندرس النحو العربي الجديد إذ أن الجملة قد لا تكون مكتملة نحوياً إنما مكتملة ذهنياً عبر السياق و دُرِسَ هذا في البلاغة العربية القديمة وخاصة عند السكاكي والقزويني ومن جاء بعدهم دُرِسَ في مفهوم البلاغة مثلاً حذف المفعول به ،  ما هي ضروراته الذهنية الفكرية والنفسية أو مثلاً حذف المبتدأ وحذف الخبر

ثم تابع مردفاً :

 

وبرأيي إن البلاغة لم تكن صادقة في وصف الدراسات التي سميت بلاغية ، خاصة بعد مفتاح العلوم للسكاكي.

أما أدوات النحو مثل الحذف ، التقديم ،  القطع ، والعطف غير المالوف ، فهي تستخدم لتوليف صورة ذهنية متحررة من القواعد التقليدية.

 

– سمات النحو الذهني في القصيدة الحديثة هي :

 

1- التفكيك النحوي لصالح الصورة الذهنية

ففي القصيدة الحديثة كثير ما تكسر الجمل  مثل

كأنني ظلٌّ لظلٍّ

يمشي على ذاكرة الريح

فالذهن يعالج هذا التركيب كما يلي حسب الأسلوبيين واللسانيين  الحديثين

( ظل لظل)    ( ذاكرة الريح )  كسلسلة إدراكية متحولة حيث أن الذات تساوي ( الظل والذات معاً )  ويساوي ( الذكرى والذات ) وفي النهاية ( هو الوهم ) .

فالنحو هنا يفتح فجوات في البناء النحوي ليستكملها الذهن بالصورة .

2- الحذف المكثف

لا يتطلب تقديراً نحوياً دقيقاً كما في القصيدة القديمة بل يُترك عمداً ليملأه الإدراك الشعري مثل

( و الصمت أبوابي )   و  ( الماء يشهق )

هنا الذهن يكمل الفعل أو الخبر ويركز على الصورة  الإدراكية وليس على الإتمام النحوي .

 

وبهذا التحليل والأمثلة والشرح المعمق والنبذة الموجزة عن تاريخ النحو والتقعيد في اللغة العربية والذي قدمه الدكتور سليمان حسين أغنى استفساراتنا عن ظهوره الأول ونشأته وتطوره عبر القرون وصولاً لوقتنا الحالي وكيف استطعنا اليوم الاستفادة من أدوات النحو المختلفة وخاصة اعتمادنا في الآونة الأخيرة على النحو الذهني في كتابة القصيدة الحديثة وتطويرها

 

شكرنا الكبير للدكتور سليمان لهذا الشرح والتفصيل والشكر موصول لإدارة المركز العربي الثقافي في المزة متمثلة بمديره الأستاذ محمد شالاتي وكادره الراقي .

دمتم بإبداع

تحرير الصحفية

عاج شمالي