أنين الغراريف قراءة في ديوان الشاعر ويس البدري
بين وجع الغربة التي تصمي القلب بسهام الحنين، ووجع الوطن الذي يخالط شغاف الروح، تنطلق كلمات البدري مازجا فيها بين الوجدان والانتماء القومي.
ولعل في عنوان الديوان مايشير إلى نفسه المتعبة بالألم حيث إن اختيار العنوان ليس وليد الصدفة بل رسالة أدت وظيفة جمالية وأخرى دلالية لشاعر فاضت روحه بأسقامها وحاصرته بظلمة جعلته حبيس الذاكرة المرئية البصرية التي عاشها في طفولته قبل فقدان بصره،وذاكرة الغربة الموجعة.
يبدأ ديوانه بقصائد ذات طابع وجداني صرف يعنونه بعنوان الديوان ذاته في لغة عالية تعكس ثقافة وطيدة ممزوجة بلغة التراث التي بسطت الفصحى وفصحت العامية كقوله:
انا لوعة محمومة ….
وتوجع شق المدى……
انا موج حزن صاخب…..
لم ينته منذ ابتدا…..
مؤطرة بخيال شعري خصب امتاحه من ذاكرته لأرض عايشها وعاش فوق ثراها ذاكرة تحمل صورة الام والصديق والمكان
يقول :
انا صاح كم أضحكتنا الحياة
وأبكت سوانا وما نشعر
تظل الميادين رغم النوى
بأنفاس روحي هوى يكبر
ومن هنا برز الانتماء القومي لقضايا الأمة فبغداد وتين القلب تحضر شامخةفي فؤاده ووجدانه وفلسطين نبض القلب الذي ينخز زوايا الروح
ليصبح الوطن أنثى قد تكون الأم المترقبة أو الحبيبة المفتقدة، لكنه في النهاية رمز غال لما يحب ويهوى يقول :
بغداد تفرش عينيها لطلعته
بيتا تسافر في أفيائه السحب
وقلب بيروت يزهو وهو يحضنه
حبا تباركه الأمواج والحصب
وبين تضاعيف هذا وذاك برز العتاب الرقيق كغرض مشوق لصديق الطفولة ومراتع الصبا كيف لا ؟! وهو من عايشه وعاش معه زمن الجمال والروعة في مدينته الآسرة المياذين
ياليل أضناني الشجن
وانا الغريب بلا وطن
.
ويختم ديوانه بحكمة العارف الذي خبر الحياة واكتشف زيفها محذرا وطنه مما يحيق به يقول :
يا أيها الوطن الذي اغتيلت عيونك بالسفر
دنياك زيف كلها
بحر يعنيه الكدر
آمنت أنك بل أنا
ألعوبة بيد البشر
نحن أمام شاعر عانى كالمعري لكنه آثر أن يبوح بدخيلة نفسه التائقة للوطن والأرض والطفولة…….
ولو قيض له الانتشار عبر وسائل التواصل المحدثة لكنا أمام عبقرية شعرية فذة لها شأنها في ساحة الكلمة العربية .

