من ذاكرة السراب للكاتبة أسمى وزوز

43

‏‎وعندما وصلنا هنا، فكأنّنا كنّا نمشي منذ ألف عام وما توقّفنا، كان التّعب أقسى من أنْ يحكى عنه، وكانت الخطى تتسابق حينًا، والزّمن يكبر فينا بعمر سنينٍ أقسى، ويغيب مداه في أعوامٍ أبعد في أحيانٍ أخرى.
‏‎عناوينُ لا نستطيع قراءتها، أماكن لا نقدر على المرور بها، وأشخاص لم نستطع كتابة حروف اسمهم على جدار النّهار.
‏‎
كانت طقوس الرِّيح تتفقّد حكايانا، تمحو بعض قصصنا، وتترك ما ينزفنا تحت مظلّة الوقت، كنّا ندرك ما فقدناه بأيدينا، وما سُرِق منّا رغمًا عنّا.
‏‎
كان الكثير فينا، والكثير الذي مرّ بنا، وكلّ الآخر الذي يعبرنا.
‏‎وعندما انتهينا هنا، وارتمينا على فراش العمر الآخر، أخذت وخزات الشّوك تؤلمنا، وصرخات الأمكنة تصدّعنا، حينها أدركنا كَمَّ ما يثقلنا، وما أضنانا، ومَنْ اغتصب منّا حلمنا وهدوءنا، ومحا سطور صوتنا من أيّ أفق أبعد.
‏‎هنا أدركنا ماذا كنّا، وما معاركنا التي استعصت على الهزيمة حينًا، وصعبت على أن ننتصر فيها حينًا آخر.
‏‎
ما زالت حروبنا الباردة معهم، أقسى من كلّ تلك الرِّيح التي تثور بنا، وتخربش آخر ما كتبنا، وتسرق أبجديات غربتنا وفرحنا وروايتنا في سرمديّتها الأزليّة.
‏‎حينها أخذنا نقبض على رمل الزّمن، نغلق الأبواب خوفًا من هروب العمر، نغلق النّوافذ كي لا يأتي غراب اللّيل وينعق فوق جسر اللّقاء المغتَصَب، شعرنا بالسّنين التي مزّقت كلّ حقيبة لسفرنا السريّ، ونثرت هدايا الخلود، ومرايانا الأخيرة التي ما أشاخت ملامحنا، وبقي ما رسمه الميلاد فينا.
‏‎َوها نحن وصلنا بلا حقائب، بلا رسائل، بلا وطن كان ملجأً لنا، وحُرِّم علينا، بلا اسمٍ آخر مزجنا حروفه بحروفنا، كلّ شيءٍ كاد أنْ يكون ملكنا، فُُقِدَ منّا.
‏‎وغدوْنا هنا نتأرجح بين سراب الرّمل وضوء الضّباب، نتلوّى على خاصرة ما ليس لنا، وما بالرّوح إِلَّا حمل جبال.
أسمى وزوز
23/ يناير/ 2022
من ذاكرة السّراب