الكاتبة أسمى وزوز ( على عتبات الليل )
وقفت على عتبة اللّيل بعد ساعاتٍ طويلةٍ من عصيان ذاكرةٍ تعاركني بكلّ تفاصيلي التي كنت أخبئها عن نهايات الفصول؛ ولكن هذه اللّيالي الباردة كانت أقوى منّي في انتزاعي من مضجعي لأقف على شرفاتٍ طالما أقصيت نفسي عنها، وزوايا طالما أخفيتها بستار التّناسي، وأزقّةٍ تعبرني بالحنين إليها، وأعبرها بالحزن حينًا وبالحسرة على رحيلي عنها، ونوافذ وقف عليها طير الحبّ يومًا وغنّى، وبعد ذلك هجرها وبكى، وبكيت أنا على غيابه دهرًا.
وما بين هذا الوقوف بين العتبة والشّرفة إلّا وليلٌ باردٌ ينخر في ذاكرةٍ اعتادت معاركها وفوضاها وضجيجها، واعتدت أنا على حزني بها، وصمتي واعترافاتي، بوحي وألمي، قهري وثورتي.
قاسٍ أن تكتب عن لياليك الباردة أو أن تبوح لصمتٍ يحيط بك وتدور به، صمت الأماكن في ذاكرتك ومن حولك، صمت السّماء والغيم، صمت الأرصفة التي ترتدي معطف الخطى البعيدة فيك، صمت الشّجيرات الوحيدات التي كانت قبل رحلة الغياب تكتب عن اللّيل والصّيف والقمر قصص السّمر والحبّ، ولكن الآن لم يعد صيفٌ ولا سطحٌ ولا إبريق الشّاي ولا ضحكات الأطفال التي كانت تملأ الطّرقات.
قاسٍ أن تروي حكاياتك التي كانت لك حياةً والصّمت يعتري كلّ مكان، من أين تبدأ، وإلى أين سيؤول بك الكلام؟!
لا البدايات تمنحك الأمان الذي كنت فيه يومًا غير مؤمنٍ بحروبٍ ستخوضها مع ذاكرتك، ولا تصدّق بأن تقف يومًا هكذا بين الصّمت وألف ضجيجٍ يدور بكلّ ما بك من وجع الذّكرى وثورة النّسيان وقهر التّناسي الذي تعلّمته لكنّك لم تتقنه،
كلّ ما حولك يصمت وأنت مَنْ يبوح، كلّ ما فيك يضوج وأنت مَن تتهاوى بين قهر البوح، وبوابات الاعتراف بكلّ الذي أوجعك فأبكاك، وأنهك طرقاتك فأوقفك لتعيد خطاك بين الثّبات والدّوران حول خاصرة الطّريق.
قاسٍ أن يجتازك عبور الزّمن فيك، قاسٍ أن تقف أمامه بدور الجلّاد وهو المتّهم الوحيد، ولست تعلم بعد منِ الذي ترك حماقاته في الآخر، أهو الزّمن أم أنت الذي كنت ساذجًا حدّ التّغافي على بواباته وأنت تدلي باعترافاتك التي تركتك تتلوّى بين وجع الغربة حينًا، وبين القهر الثّائر بكلّ خطاك على هذا العالم الذي عصفك بحمقه وما هدأت الرّيح يومًا عنك.
قاسٍ أن تُشعَل حروبك، وعبثًا تحاول أن تخمد شعلتها الأولى.
قاسٍ هذا التّناقض الذي تحياه بكلّ ما فيه.
قاسيةٌ تلك السّاعات الأخيرة من عمر هذا اللّيل البارد، فلا تستطيع المكوث هنا، ولا تعود منها إلّا كما يعود ذاك المحارب من انتصاراته المزعومة، ومن بطولاته التي أنزفت كلّ شيءٍ فيه، فيعود مبتسمًا والنّدوب والجروح تُنزف كلّ ما فيه.
يتخبّط بين كبرياء النّصر حينًا، وبين وجع الجروح في أحيانٍ كثيرة، يحكي عن بطولاته المزعومة وبداخله طبول الحرب تدقّ، واشتعال النّيران تحرق جسده، ويقف متجلّدًا بالفرح الباطل وكلّ ما بعمقه يموج بألف حكاية بداياتها شمس حياةٍ ونهاياتها خيباتُ موتٍ لم يحسن فهمه حتى يعود، ويتظاهر بألف برود.
هذه هي معاركنا التي تتعبنا، ونعود منها بألفِ هزيمةٍ ظاهرها نصرٌ وباطنها صرخاتٌ وأنين، وهذا هو الوقوف على عتبات اللّيل في ساعاته الأخيرة نتوه فيه، ويتوه هو معنا لأبعد حدود.
#أسمى وزوز
11/ يناير/ 2022