د.فالح نصيف الحجية الكيلاني : الإنسان ويوم القيامة.
( الإنســــــــــان ويوم القـيــــامـــــة – )- القسم الأول
بقلم : د. فالح الكيــــــــــــــــــــــلاني.
بســـــــــــــم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والأخرين الذي اصطفاه ربه تعالى وفضله على خلقه أجمعين وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين ورحمة للعالمين وعلى آله وأهل بيته أنوار الهدى الطيبين الطاهرين وأصحابه أهل التقى الغر الميامين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
الحمد لله
هذا الكون العظيم خلقه الله سبحانه و تعالى بالتدريج وكان قادرا أن يخلقه في لحظة واحدة فيقول له ( كن .. فيكون ) فقد فكان الكون سديما ليس فيه شيء غير الماء وعرش الرحمن قال تعالى :
( وكان عرشه على الماء ) سورة هود 7
قبل الخلق ,فلما أراد الله تعالى أن يخلق هذا الكون جعل في الماء سخونة فخرج من الماء بخار فتصاعد إلى الأعلى فكان هذا أصل الخلق وبدايته.
يثبت الله تعالى بالحقيقة الثابتة أنه قد خلق السموات والأرض إثباتا لقدرته العظيمة اذ خلقهما في ستة أيام وفي ذلك تبيان لعظيم شأن الله تعالى وقدرة عظمته في الخلق والإبداع , وليس هذه الأيام الستة كأي أيام فهي كما يتوقع العلماء العارفون من أن مدتها في قوله تعالى :
( وأن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ).
أو مدتها الليل والنهار الحادثان من مدة دوران الفلك أي دوران الأرض حول نفسها أو حول الشمس لتحدث الفصول الأربعة أو التغيرات الجوية والحرارية وفي هذا الكون قال تعالى :
( وكل في فلك يسبحون) سورة يس الاية \ 40
فيتعاقب الليل والنهار حيث لم يكن الفلك موجودا وكذلك الدورة اليومية لم تكن موجودة لعدم وجود الفلك ولا حركتها ومقدارها لإنتفاء الحاجة إليها بسبب عدم الوجود بل هذه الأيام الستة أيام الخلق الأول التي فيها خلق الله تعالى السموات والأرض وقدر فيها لكل شيء محسوس أو ملموس جاذبيته التي تحفظه في مساراته عمن حوله وما يحيط به بل أقول أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أطوار أحدهم متمم للآخر مع قدرته العظيمة على خلقها في طرفة عين قال تعالى :
( إنما قولنا لشيء اذا اردنا ه أن نقول له كن فيكون )
سورة النحل الاية \ 40
فالله تعالى لما اراد أن يخلق السموات والأرض وكان الكون قبل خلقه لهما سديما مغمورا بالماء فأحدث الله تعالى سخونة فيه فتصاعد من الماء بخار يشبه الدخان فكان بداية الخلق- كما قلت سابقا- وفي قوله تعالى
( و كان عرشه على الماء ) هود7
أي ان عظمة الله تعالى وقدرته وسلطانه – قبل الخلق – يكون مقصورا على الماء لعدم وجود خلق غيره .
خلق الله تعالى الانسان من (طين لازب) ثم جعل نسله من ماء مهين متكون من ماء قذر تتقزز منه النفس البشرية ذاتها وتمقته اليد ان تمسه او تمسكه .
أما مايكون من عرش الرحمن كان على الماء –والله تعالى أعلم – هو اتصاله به أي بالماء لعدم وجود مانع يمنعه ولا مخلوق آخر يكون حائلا بينه وبينه حيث أن لكل موجود جاذبية تجذبه إلى ذاته – كما أسلفت – بحيث يحفظ نفسه بنفسه عما حوله ولا يحتاج إلى شيء آخر لكي يكون فعلا الاعتماد عليه في الوجود سوى قدرة الله العظيمة سبحانه وتعالى وهذا ما يجعلنا نعتقد بان عرش الرحمن والماء من اسبق ما خلق الله تعالى أي كانا موجودين قبل خلق السموات والأرض وقد جاء في تفسير النيسابوري لهذه الاية الكريمة :
( جاء في أول توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان )
أي أن بداية الخلق إحداث سخونة في الماء فكان البخار فتصاعد هذا البخار إلى الأعلى فكانت السماء فالماء إذن أصل الأشياء وكل شيء خلقه الله تعالى من ماء والله تعالى أعلم .
قال الله تعالى:
( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين . فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ثم خلق الأرض وبارك فيها وقدرفيها أقواتها في أربعة أيام سواءا للسا ئلين )
فكان الخلق هذا الكون العظيم بمشيئة الله تعالى وتقديره وحكمته فيه وما وضع في هذه الأشياء التي خلقها من جاذبية وأنوار وأمور لا نعلم منها إلا القليل .
فالله تعالى خلق السموات والأرض كما ذكر سبحانه وتعالى في ستة أيام وخلق فيها المخلوقات ومن بينها هذا الإنسان الضعيف العجيب في خلقه وإبداعه وقوته وخلق الله تعالى كل ما يحتاجه هذا الإنسان من أسباب المعاش والبقاء وكأنه خلق الله تعالى كل الخلق وسخره لأجل هذا المخلوق- الانسان –
( الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين)
سورة السجدة الآية 7
إلا أنه جعل في نفسه أنفة وسعة وجعل نسله من ماء مهين لكي لا يتكبر ولا يتجبر قال تعالى :
( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) سورة السجدة الآية \ 8
إذ خلق الله تعالى الإنسان بعقله الراجح وتفكيره الواسع وأخلاقه الفاضلة وعواطفه الجياشة ومنطقه السليم وإحساساته الصادقة المنبعثة من أعماق قلبه حيث خلق الموت والحياة و جعل قلبه المحرك له في كل شيء أو هو ماكنة حياته دوامه وبقاؤه مقرون بدوام دقات قلبه وبقائها فاذا توقفت هذه الماكنة توقف وهلك وخلق نفسه فيها التواضع وفيها مسحة من الكبر والانفة والإباء إلا أنه تعالى حدها بالتعاليم الدينية والعقوبات المعنوية وليختبر هذا الإنسان بما هيء له من هواجس التأمل والتدبر والتفكر في قدرة الله العظيمة ووحدانيته.
إلا أنه جعل في نفسه أنفة وسعة وجعل نسله من ماء مهين لكي لا يتكبر ولا يتجبر قال تعالى :
( ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) سورة السجدة الاية 8
فالعين تمقت ان تنظر اليه كراهة وهذا الماء المهين يتكون في صلب الرجل أي من جهة ظهره ثم ينحدرالى الاسفل . ويتكون في ترائب المرأة أي في صدرها من تحت ثدييها قال تعالى :
( فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب الترائب. )
سورة الطارق الآيات 5- 7
ثم ينزل إلى أسفل فإذا التقى ماء الرجل بماء الأنثى في عملية التزاوج وهي أشرف وأسمى وأقوى عملية جعل الله تعالى فيها بقاء الجنس البشري و جعلها الله تعالى مقرونة بشهوة جامحة ورغبة شديدة تتقارب لها القلوب وتتودد النفوس وتنغرس المحبة في قلب الرجل للمراة وقلب المرأة للرجل بحيث يفضل الاول الثاني على نفسه ويجعله صنو نفسه اواكثر ويمتزج الجسمان الذكري والانثوي في رعشة شديدة جامحة تهز الاثنين هزا عنيفا من اعلى الراس الى اخمص القدم لامثيل لها وقد تجعل الانسان – في بعض الاحيان نساءا ورجالا – يخرج عن الحلال ليقع في الحرام وهو ما يطلق عليه بالزنا الذي يقضى على أصل المرء ونسبه فلا يعرف الإنسان ابن من – في سبيل التمتع بهذه الشهوة او اللذة العارمة . هذه الحالة ليست موجودة في الانسان وحده بل في عموم خلق الله تعالى في البشر والحيوان والنبات والحشرات وكل كائن حي فتتزاوج البقرة مع الثور والحصان مع الفرس والاسد مع اللبوة مثلا كما تتزاوج النخلة مع الفحل-اوذكرالنخل – والموضوع طويل طويل قد يخرجنا عما نقصد .
في هذه العملية او في الاتصال الجنسي ينزل ماء الرجل الذي يحمل ملايين النطف الذكرية التي تسبح في الرجل في المرة الواحدة ليلتقي بماء الانثى الذي يتكون من العديد من البويضات الأنثوية وتتم عملية التزاوج بتخصيب حيمن ذكري واحد لبويضة انثوية واحدة في الأغلب لتكون أصل الخلق في رحم المراة فالأفضل والأقوى هو الذي يفوز بهذه العملية ليكون البقاء للاقوى والأصلح قال تعالى :
( ياايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير )
سورة الحجرات 13
أما بقية الحيامن والبويضات فتموت أو تهلك– وهذه الحالة تذكرني في مملكة النحل يوم كنت أربي خلايا نحل وانا أسكن في قضاء الخالص حيث تخرج ملكة النحل الحديثة التكوين بعد ان تكتمل وتصبح ملكة تامة عذراء تخرج من الخلية لغرض التزاوج فتطير في السماء ويتبعها ذكورالنحل في سرب كثير ولا يلقحها الا القوي الذي يستطيع منهم اللحاق بها في جو السماء والأرض وهو طبعا الأقوى فيلتسق بها في رغبة جامحة ملقحا إياها وينزلان متعانقين إلى الأرض .
وقد تهيات الأسباب والأماكن في كلا الجنسين للخلق والإنجاب ومن هذا الاتصال يتكون الإنسان حيث تتكون هذه أصلا من عدد من الكروموسومات المتساوية العدد في الذكر والأنثى عددها اثنان وعشرون كرموسوما جسديا وواحد جنسي أي ثلاثة وعشرين كرموسوما في الذكر و مثلها في الانثى فتلتقي او تجتمع فتكون 46كروموسوما منها أربعة وأربعون كروموسوما جسديا واثنان فقط جنسيا وهذه اصل الأمشاج أو النطف ثم تتكاثر في رحم المرأة عن طريق الانقسام مكونة أول خلية بشرية جديدة في رحم المرأة المهيء أصلا للحمل والتوسع لتحمل كل الصفات البشرية والوراثية في داخلها ثم تتحول هذه النطفة التي تكونت نتيجة الا تصال الجنسي بين المراة والرجل إلى علقة في اربعين يوما وهي نقطة من دم ثم تتحول هذه العلقة إلى مضغة في مدة أربعين يوما أيضا وهي أشبه باللحيمة الصغيرة ثم تكون هذه المضغة عظاما في أربعين يوما ثم تكتسى هذه العظام باللحم فتكون جنينا في رحم أمه في أربعين يوما أخرى ثم يستمرالخلق هكذا في رحم امه حتى تكتمل تسعة أشهر فتكون الولادة قال الله تعالى :
( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشاناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) سورة المؤمنون 12- 14.
وفي الخلق الآخر هو نفخ الروح فيه وهو ابن أربعة أشهر وهذا مايفسره قوله تعالى :
(ثم أنشأناه خلقا آخر ) المؤمنون 14
فالروح جوهر لطيف لا تدركه الأحاسيس ولا تبصره الإبصار وأنه متصل علمه برب العالمين وقوله تعالى :
( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) الاسراء 85
وقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( وأن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يأتي إليه الملك فينفخ الروح فيه ثم يؤمر بكتب أربع كلمات : رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)
وبهذا سبق الرسول الكريم محمد صلى الله تعالى علم الوراثة الحديث في قوله يوم سئل بم يكون الشبه في الولد قال صلى الله عليه وسلم :
( فاذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد له واذا سبق ماء المرأة نزعت الولد) رواه البخاري.
وهو يبين حالة شبه الولد لأبيه وأمه والعوامل الوراثية التي يحملها كما في علم الأجنة ( الكروموسومات ) أو ما يسمى بالجينات
وهذه هي عملية الخلق والتكوين .
ومما لاشك فيه أن الله تعالى خلق هذا الكون بجميع أحواله وأجزائه كأنه مسخر لخدمة هذا الإنسان فهو مختار من بين كل أنواع المخلوقات الكونية ومفضل عليها والكل تدخل في خدمته وهذه حقيقة أقرها القرآن الكريم:
( الله الذي سخرلكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون . وسخرلكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ).
سورة الجاثية 12و13
وهكذا يكون الإنسان وفضله الله تعالى على جميع مخلوقاته وكل شخص جعل له عمرا ينتهي اليه في لحظة موته وجعل له السمع والبصر والفؤاد ليفهم مايجري حوله وماذا يعمل من شراو خير ويكون ويكون له معادا من بعد الموت أي حياة اخرى بعد هذه الحياة يعود المرء إلى الحياة الآخرة والتي لا تفنى ولاتنتهي وهو يحمل أوزار عمله في حياته الدنيا على عاتقه لا أحد يعينه على حملها وكل مشغول بأمره . وكل يحمل ماعمل أو يجد ما عمل في حياته الدنيا في الآخرة محضرا سواء كان خيرا أو كان سوءا .
د. فالح نصيف الحجية الكيلاني.