د. فالح نصيف الكيــــــــــلاني ( الإنسان ويوم القيامة )

48

( الإنســـــــــان ويــــوم القــيــــامـــــة ) القسم الثاني
بقلم : د. فالح الكيــــــلاني
فالإنسان تنتهي نهايته بالموت أو بانتزاع الروح منه هذه الروح التي أودعت في جسده وهو ابن أربعة أشهر في بطن أمه لتمتزج في جسده أو تتلبسه فتحدث الحياة جراء هذا التلبس حيث كان الجسد دونها جثة هامدة أو مجرد كائن يشغل فراغا ثم يتلاشى إذ تأكله ديدان الأرض ويعود إليها بتفسخ جسده ترابا ولم يبق منه شيئا إلا عظيمة صغيرة دقة في الصغر أسماها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم(عجب الذنب ) تقع في نهاية العمود الفقري من جهة العجز هي أشبه بالبذرة لبقية الأشياء .
أما الروح – التي أودعها الله تعالى فيه منذ الصغر وهو في بطن أمه- هذا الجوهر العجيب الذي لا يعرف البشر عنه شيئا قال تعالى :
( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الاسراء 74
فيفارق الجسد أثناء عملية الموت فتتصاعد إلى الأعلى وهي تحمل بطياتها أو نفحاتها كل ما عمله هذا المرء في حياته الأولى التي انتهت بموته ولا تنفك عنها هذه الأعمال أو الأوزار إلا في يوم البعث أو النشور وهذا اليوم هو يوم الجزاء والحساب أو اليوم الآخر وكثرت أسماؤه وتعددت.
يوم القيامة هذا اليوم العظيم يبدأ من ساعة موت البشر او لحظة خروج الروح من الجسد وتبقى في البرزخ إلى يوم البعث أو يوم الحساب ودخوله الجنة أوالنار وهذا اليوم يسمى القيامة الصغرى وهو يبدأ من موت المرء وسؤال القبر وانتقال روحه إلى العالم الآخر في عالم البرزخ قال تعالى:
( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) سورة الاسراء الآية  85
إذ تبقى الروح معلقة بين الموت الأول والحياة الأخرى وقيل أن الأرواح في الأجساد المؤمنة أوالصالحة تكون في عوالم علوية والأرواح في الأجساد الكافرة أوالمشركة أوغير المؤمنة تكون في العوالم السفلية حتى يحين يوم القيامة الكبرى الذي فيه تبدل الأرض غير الأرض وتحدث المعجزات الكبرى ويتلقى كل إنسان جزاءه العادل .
إن الفناء لاحق بالحياة الدنيا لا محالة حيث خلق الله الكون بما فيه وجعل أسباب نهايته فيه فقد ثبت أن حقيقة إمكان هذا العالم الهائل هي الحرارة أو السخونة فكما كانت الحرارة أساس الخلق الأول ووجود كل موجود كما بينت سابقا وجدت أيضا أنها أساس فناء هذا العالم حيث أنها تنتقل من وجود حراري إلى وجود غير حراري اخر واستمرار هذه العملية سيترتب عليها أن تتساوى حرارة جميع الأشياء وعند ذلك لا تبقى أية طاقة للتفاعل وتنتهي العمليات الكيميائية والطبيعية وعندها تنتهي الحياة ويعم هذا الكون الفناء .
فالإنسان والحيوان والنبات تحمل أسباب فنائها في داخلها ونحن إذ نراها وهي قطعا جزء من هذا العالم وجزء من عملية الفناء الكبرى وكذلك الزلازل والبراكين وحدوثها المستمر حيث تدمر مدنا وقرى كبيرة ومساحات شاسعة من هذا الكون وتغير معالمه .
وقبل هذه الأمور تحدث أمور أخرى هي علامات لحدوث يوم القيامة أو إشراط الساعة وهي كثيرة تفنن الكتاب وعلماء الدين في تكثيرها وتعدادها إلا أني سأذكرها أهمها وحسبما وردت في أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى لسانه صحيحة :
قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
1- ( لاتقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة)
وهي إشارة إلى الحروب التي وقعت بين المسلمين وأولها ماوقعت بيوم صفين
2- قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
( لاتقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى )
وبصرى مدينة في الشام
3- وقال صلى الله عليه وسلم:
( لاتقوم الساعة حتى يكثر الهرج قالوا وما الهرج يارسول الله قال القتل القتل )
4- وقال صلى الله عليه وسلم:
( لاتقوم الساعة حتى ينحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه )
5- وقال صلى الله عليه وسلم :
( لاتقوم الساعة حتى تضطرب اليات نساء دوس حول ذي الخلصة وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة)
وهو الإشراك في الله تعالى أو عودة المسلمين لخلط الإيمان بالشرك وقد قال تعالى :
( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) سورة يوسف الاية  106
6- وقال صلى الله عليه وسلم:
( لاتقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه )
7- وقال صلى الله عليه وسلم :
( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبيء اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يامسلم ياعبد الله هذا يهودي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.)
وفي هذا الحديث بشارة بإستعادة بيت المقدس من أيدي اليهود وقد أشارت المصادر أن اليهود أخذوا بتكثير زراعة شجر الغرقد في فلسطين في الوقت الحاضر
8- وقال صلى الله عليه وسلم :
( لاتقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله الله وقيل من يقول لا إله إلا الله )
9- وقال صلى الله عليه وسلم أيضا:
( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا )
10–وقال صلى عليه وسلم:
( لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس )
10- وقال صلى الله عليه وسلم:
( لاتقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت فرآها الناس أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا )
وهذا الحديث مصداق للآية الكريمة :
( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أويأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) سورة الأنعام الآية 58
وقد رويت هذه الأحاديث الشريفة في أغلب كتب الحديث بضمنها صحيح البخاري وصحيح مسلم رضي الله عنهما
من المعلوم أن الشمس لها القابلية على حفظ أماكن الكواكب في مجالها عن طريق الجاذبية التي تولده بحيث أن قوة جذب الشمس للكوكب أي كوكب تساويه في المقدار و تعاكسه في الاتجاه القوة الطاردة المركزية المتولدة من دوران ذلك الكوكب حول الشمس فالمجموعة الشمسية ثابتة الجاذبية مع بعضها ولو اختل توازنها ذرة في كل الف سنة لحدث اختلال عظيم في الجاذبية خلال هذه الملايين من السنين التي تكونت فيها وثبت جاذبية بعضها للآخر وهذا أمر مفرغ منه علميا أقره علماء الفلك وعلماء الطبيعة والمعلماء المتنورين من علماء الدين في الإسلام وفي غيره من الأديان.
وجاء في الآية السابعة من سورة الذاريات (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ) وهذا ما يدلل أن السماء تتألف من حبك (أي حبال متكونة على هيئة نسيج مترابط ) و بالتالي فإن مجال الجاذبية للنجوم تتألف من حبال على هيئة نسيج تقوم بالشد على الأجسام التي تقع في مجال جاذبية كل نجم أوكوكب وليست هذه الحبال من نسيج أو من هذه الخيوط المتعارف عليها لدينا بل هي نسيج من مادة تفنن الخالق سبحانه وتعالى في صنعها وقوتها وثباتها وقدرتها على تحمل ما لا نتستطيع تقديره أو تصوره من قوة مهما أوتينا من قابلية وقدرة على الفهم فيما بينها و يوم القيامة يطمس الله تعالى النجوم كما جاء في هاتين الايتين :
( فإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ . واذا السماء فرجت ) المرسلات 8و9
و بالتالي ينتهي مجال الجاذبية المؤثر على الكواكب فتنطمس النجوم وتضمحل ومن هذا نسمع في كل وقت عن إنفجار نجم أو أفول نجم في السماء إلا أن هذا لا يؤثر على التقديرات العظيمة لهذا الكون كون النجوم أشبه بقشة تسبح في بحر محيط و ينفطر نسيج الطاقة في السماء:
( وإذا السماء انفطرت ) سورة الانفطار الآية  1
أي تنشق السماء:
( فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ) سورة الرحمن الآية 37
أي ان السماء ستنشق . وانفراج السماء اوإنفطارها او إنشقاقها يعني تصدعها وكينونتها واهية وستكون عند انشقاقها أشبه بالوردة المتفتحة أو مثل لوحة زيتية لوردة رسمت بدهان أوبألوان زيتية دهنية زاهية كما نراها بالعين المجردة وأن هذه اللوحات التي ترسمها النجوم أثناء أوعند انهيارها وأفولها تمثل قيامتها ولا تمثل يوم القيامة وإنما هي صورة مصغرة لانهيارالسماء في ذلك اليوم أي أن في هذا اليوم قد تتبعثر الكواكب فيه وتنتثر في السماء كتناثر حبات المسبحة حين ينقطع الخيط الرابط بينها وتصبح مثل الحجارة المبعثرة وهذا ما يفسره قول الحق تعالى :
(وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتثرت ) سورةالانفطار الآية 2
عند ذلك تفقد جاذبيتها فتهوى إلى الأسفل قال تعالى :
(والنجم اذا هوى ) سورة النجم الآية  1
ثم ينخسف القمر أي يحدث فيه خسوف عظيم يفقده بعض جاذبيته فيتخلخل الكون وينجذب بفعل الجاذبية الأقوى نحو الشمس فيلتصق بها ثم تتكور الشمس باذن ربها قال تعالى:
( فإذا الشمس كورت  وإذا النجوم انكدرت )
سورة التكوير الآيتان1و2
فالشمس ستتكور على نفسها وتلتف لتضع القمر في جوفها أي تجتمع مع القمر في كتلة واحدة وهذا ما بينه الله تعالى في قوله تعالى :
( وجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر ) سورة القيامة الآية 9
وقد توصل علماء الغرب إلى بحوثً جديدة عن إمكانية ابتلاع الشمس القمر في اجتماعهما ليكونا كتلة واحدة وأنهما يجتمعان مع بعضهما، إذن هنالك إمكانية علمية لحدوث مثل هذه الظاهرة التي حدثنا الله تبارك وتعالى عنها في كتابه الكريم ولتكون هذه الحقائق وهذه الآيات حقائق ثابتة لازمة الحدوث بحيث تصبح السموات واهية بعد أن تقطعت حبائكها أو حبال وصلها وأصبحت ضعيفة أيلة للذهاب في أقل من لحظة .
أما في الأرض فهناك جملة حقائق الأولى أن البحار بما فيها المحيطات ستنفجر وسبب هذا الانفجار سجورها او سخونتها قال تعالى:
(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ( سورةالتكوير الاية \ 6
أي أحميت، والعرب تقول: سجر التنور، اذا وضعت فيه نار رفعت درجة حرارته، ولكي نتمكن من تخيل هذا الأمر ونستطيع أن ندرك كيف سيحدث هذا الأمر : نقول إن الله تعالى أودع في أعماق هذه البحار شقوقاً وصدوعاً وأماكن تتدفق منها الحمم البركانية المنصهرة لترفع درجة حرارة الماء إلى درجات عالية جدا وكأن الماء ترتفع حرارته ويتم إحماؤه بشدة، فهذا المشهد لا يمثل يوم القيامة إنما هو صورة مصغرة عن ذلك اليوم، ولذلك فإن الله تبارك وتعالى أقسم بهذه الظاهرة الكونية العظيمة ظاهرة البحر المسجور قال الله تعالى:
) والْبَحْرِ الْمَسْجُور . إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع( الطور: 6-7
أما متى تقوم الساعة فهذا الأمر حسمه الله تعالى بقوله تعالى :
( هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتتة وهم لا يشعرون ) سورة الزخرف الآية 66
وهذا يدل على أن الله تبارك وتعالى يكلمنا عن يوم القيامة بلغة الحقائق العلمية، ولو تأملنا آيات القرآن الكريم نلاحظ أن هنالك الكثير من الآيات التي تتحدث عن هذا الأمر. فكلمة (البحار) أثناء الحديث عن يوم القيامة ذكرت مرتان في القرآن الكريم فقط،الاولى في قوله تعالى في سورة التكوير:
: ((وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير: 6].
والثا نية في السورة التي تليها:
( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَت( سورة الانفطار الآية 3
ولوتأملنا هاتين السورتين نرى إعجازاً في تسلسل مراحل هذا الانفجار، فنحن نعلم انا إذا درسنا فيزياء المياه وتركيب هذه المياه،حيث أن الماء يتألف من ذرتين من الهيدروجين وذرة واحدة من الأوكسجين، وعندما ترتفع درجة حرارة الماء إلى حدود (مئة مئوية)، تتفكك هذه الذرات وتشكل مزيجاً غازياً شديد الانفجار وهذا ما يلاحظ حدوثه في المختبرات عندما قيامنا بوضع كمية من الماء في جهاز لنقوم بتحليله كهربائياً، نرى أن فقاعات الهيدروجين والأوكسجين تذهب وتتجمع، فهذا المزيج من الهيدروجين والأوكسجين، يقول العلماء عنه هو مزيج شديد الانفجار يعني يمكن أن ينفجر بأقل شرارة. وباسرع وقت فكيف بالبحار اذ ترتفع الاف الدرجات الحرارية أثناء هذه الظواهرالكونية العجيبة.
ولذلك فإن البحار الذي حدثنا الله تبارك وتعالى عنها وجعل قيعانها دائماً تتدفق منها الحمم المنصهرة وملايين الفوهات من البراكين وملايين الشقوق، وهنالك دائرة في قاع المحيطات يسميها العلماء دائرة النار، محاطة بحلقة كبيرة جداً تمتد لآلاف الكيلو مترات وتتدفق منها الحمم المنصهرة وكأننا نرى البحر يحترق أو يشتعل وفي هذا تثبيت لقول الله تبارك وتعالى:
( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ . إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ )الطور:الآية\ 7

د. فالح نصيف الكيــــــــــلاني.