من ذاكرة الضوء للكاتبة ( أسمى وزوز )
أصحو من ذاكرةٍ لا تغفو ولا تنام، أجترّ معها حقائب الأعوام الأطول مسافةً من خريف الدّقائق قبل الأخيرة من عُمْر كلّ صمت، وكلّ رصيفٍ حمل وداع الكلمات في بوحها الحزين، ألملم بقايا الأحلام المتعريّة في طرقات الجليد، وأنتظر بعدها صيف القلب وما يأتي، وأعود أسابق الزّمن الآخر لعلّ فيه ذاك الضّوء، أو ربّما يحمل لي معه شيئًا منّي تركته قبل العام بألف عامٍ آخر، وربما شيئًا من فتات رسائل الرّوح التي تركتُها، ومزّقها ذات يومٍ عَصْفُ البَرَدِ والرّيح.
وأفتّش عن كلماتي بين حروفٍ لا أستطيع قراءتها، ولا أحسن لملمتها في عَتمة ليلٍ باردٍ، فيه الرّيح، وفيه الصّقيع، وفيه وقوف الزّمن عند ساعته التي لا يجد لها مكانًا آخر.
وأنا بين كلّ ذلك أمشي وسراب الخاصرة يسائل حلمي، غيمتي، نافذتي، دفاتري، عناويني، هوامشي التي أتعبتني، منتصف طرقاتي، ظلّي وظلّ السّنديانة التي ما باحت بأسراري يومَ كنتُ أروي لها قصصي، وهي تسمعني، ولا تقاطعني، ولم تنسَني، وتصغي لحكايات دروبي، وما خانت في يومٍ عهدًا، ولا باحت بسرّي البعيد.
وأكمل خطاي على خطى حلمي، ويتوه منّي بعضي حينًا، وأتوه أنا عنّي.
وما يزال الغيم الذي يطوي قصائدي هناك، ها أنذا أراه، خطوةً وراء خطوة، وزمنًا من هنا، وآخر من هناك، وظلّ ضوءٍ منتظَر، وقناديل وحيدةً ترقب الطّيف، وتشكو فراغات المكان.
وأنا بين دقائق النّسيان وعصيان الذّاكرة أمضي، أمضي بجرحي الذي أشفيه، أعلن معاركي مع ذاكرتي، لا أريد شيئًا ممّا يسكنها، لا نزف ماضٍ، ولا أيّ ذكرى لمن خان، ولا حرف من أيّ اسمٍ كان طعنةً للقلب في يومٍ ما.
أمضي؛ ليهدأ بي ذاك الدّوران، ولأصلَ الضّوء الذي ينتظرني بعد هروبي الأخير من عَتمة كلّ ما كان، من إغلاق كلّ نافذةٍ، وكلّ بابٍ، من وداعٍ لخاصرة السّراب، من دقائق الذّاكرة الأخيرة في ليل طرقات الجليد القاسي، من كلّ كلمةٍ أوجعت الرّوح، ومن كلّ عصفٍ في ليالي كانون، ومن كلٍ ريحٍ لم تترك تفاصيل المكان، وما تمرّ إلّا وتبعثر أشياءنا التي رتبناها منذ ألف عام؛ خوفًا من الضّياع، خوفًا من السّراب.
أسمى وزوز
من ذاكرة الضّوء
25/ فبراير/ 2022