(سيكولوجية القصيدة العربية ) بقلم د. فالح الكيلاني.

292

( سيكولوجية القصيدة العربية المعاصرة )

بقلم : د. فالح الكيـــــــلاني

الشعر هو الأساس الأول في النتاج الأدبي في اللغة العربية اذ لو تتبعنا تاريخ الأدب العربي لوجدناه يبدأ بالشعر ظهورا واهتماما ثم من بعده النثر بجميع مضامينه وأشكاله وبهذا اختلفت الأمة العربية عن غيرها من الأمم مثل اليونانية والرمانية والفارسية والهندية والصينية وغيرها من الأمم في وجودية الأدب . وقد مر الأدب العربي بمراحل زمينية أو عصور أو فترات توالت عليه كان فيها الشعر بين المد والجزر تبعا لهذه الحقبة أو تلك وآخرها الفترة المعاصرة .

وأستطيع أن أثبت ان كل نتاج أدبي لابد ان ينطوي على طاقة رمزية أو مجموعة من الأفكار الرمزية التي تتخفى خلف الكلمات . خاصة في الأدب الحديث أو المعاصر تبعا لظروف التقدم والرقي المجتمعي والحاجة اليه ، لأن كل نتاج أدبي قد يتضمن خطابا رمزيا وبتعبير آخر جهد تعبيري تحتش فيه الدلالات الرمزية والتي ربما قد تتفاوت حيويتها جماعية كانت او فردية و بين شاعر و آخر.

والشاعر المعاصر لجأ إلى استخدام الرمزية المفرطة وخاصة في قصيدة النثر الحديثة أو المعاصرة وربما مال إلى الأسطورة فينهل منها فيتكشف إليه عناصر الثراء المادي والروحي المؤثرة في النفس أي الإفصاح عما تتضمنه هذه الأساطير من قيم روحية وتجارب إنسانية خالدة تثري العمل الأدبي وتزيد من إيمانية النص الشعري التعبيرية بحيث تنفتح القصيدة على عوالم جديدة تمنحه طابعا مميزا في باب المعارف الإنسانية ،فتميزه هذه عن الفلسفة والعلمية وعن العلم التجريبي .

ولعل وقائع الأحداث التي رافقت هذا العصر و التعاقب الزمني ربما أسهمت في كثير من الأحيان في اختلال بعض القيم والمعايير الإنسانية ،و كانت السبب المباشر الذي دفع بالشاعر المعاصر الاهتمام بالمعطيات الموضوعية والفنية لهذه الأسطورة ليهرب من واقعه المرير إلى عوالم أخرى قد تسودها المثالية ويحلق فيه الخيال الجانح نحو الارتقاء والتمكن ،فيبني الشاعر عالمه الخاص به والذي يملأ عليه فراغات من ذاته المكبوتة. وقد طفق الشاعر المعاصر ، نتيجة لهذه المتغيرات السياسية والأحداث المأساوية التي شهدها العصر الحديث يتلمس أو يتفهم المقومات القادرة على الإفصاح عن رؤيته الإنسانية الشاملة إلى أبناء وطنه او انسانيته وقد تكون هذه الأسطورة او تلك خير وسيلة للتعبير عن النوازع النفسية ا والحوافز الداخلية عنده او تعبر عن نفسية الاخرين . ربما جاءت لتعبر عن تجسيد للتوق الإنساني الشديد وشكله الخيالي المناسب لهذا التعبير ،

لذلك أصبحت هذه الفكرة او الاسطورة من أهم أحداث القصيدة الحديثة التي عبأ الشاعر فيها هواجسه وأرؤاه وأفكاره و تجربته الشعرية بدءا من مستواها الذاتي إلى المستوى الأرقى لتمثل بوا سطتها الواقع الإنساني في هذا العصر بصورة عامة.

أن دواوين الشعراء وخاصة المعاصرين منهم لتجد فيها او ترصد فيها أنماطا متعددة من الرموز والأساطير التاريخية على مر العصور ، فقد أولى عدد منهم اهتماما واضحا بالأساطير البابلية والآشورية والسومرية أو الفرعونية او الأمازيغية التي قد ترتبط بأحداث تميزت بالقدرة على إظهار إحداث العجائب والخوارق ،وأوجدت شكلية جديدة للشعر المعاصر و عاملا مهما من عوامل التحفيز والإثارة وتجسدت بشكل حيوي في أنشطة هذا الإنسان منذ القدم في الوقت الحاضر او بمعنى اخر غيرت اسطوريته الى واقع حاضر ليستلهم منها كل جديد.

إذن فالأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه الشاعر المعاصر خلاصة فكره وجديد عواطفه ونزعاته ، وأن هذه الأساطير تمثل ما تبلور في أذهان الإنسان القديم في العراق أومصر أواليونان والرومان أوالفرس وغيرهم من الأقوام القديمة ذات التاريخ العتيد والثقافة الرفيعة من قصص وحكايات أسطورية فعبر الشاعر في تصويره الشعري لخلق العالم من جديد ،ولوجود هذا الإنسان على الأرض ،ومصيره المجهول وما يحيط به من مظاهر الكون والطبيعة وتساؤلات واسعة أو ربما تكون في بعض الأحيان غامضة يتكهن الإجابة عليها وربما تفلت منه فتبقى سرا سرمديا قديما وحديثا .

د . فالح نصيف الحجية الكيلاني.