هروب أنثى بقلم عاج شماجولي
هروب أنثى
هَرَبَتْ من فوضى عائلة دمثةٍ ، بسيطةٍ، لها من عزّة النفس والشموخ مايجعل وفرَتُها كَفاف يومها ، ونبع معيشتها في أغلب الأوقات ينازع للبقاء ،
أبٌ همّه مزروعاته وأشجاره فتجود عليه مما قُدّرَ لها ، والأخ البكر يساعده ويتقمص شخصيته في بعض الأحيان ، فيمارسان السلطة الرجولية متذرعَين بخوفهما وحبهما لتعيش وإخوتها حياة سعيدة في تلك الأرض الطيّبة التي سقتها مراراً بقطراتٍ تساقطت على وجنتيها المحمرّتين كقرص شمسٍ في قبة السماء ، وكم من مرّة تلظّت يداها الناعمتان عند صناعة رغيف خبز في تنورٍ قد ساعدت أبويها في بنائه مع الأشقاء …..
هربَتْ من دموع أمّ مكحّلة أجفانها بسهر ليالٍ طوال حين أعيا أيّاّ منهم المرض و الداء … فتختبئ في دموع عينيها البريئتين منتظرة الخروج كطائر الفينيق من ظلمة عُمْرٍ نسجه قدرها بخيوط شقاءِ زمنٍ مراهقٍ .. هرولَتْ و هرولَتْ دون الالتفات لشبح الأيام الماضية لتنهض في كل يوم جديد مرتديةً إرادة من شعاع الشمس يضيء قمر ليلها الأَلْيَلِ ……
هربت إلى بحر هائج يغرق فُلْكَه غير آبهٍ بالخسارات ، هدوء زوج يفرض ما سيحدث وما سيكون وكيف وأين ، فيجرف رمال خلَجاته بتناغم تارة لشاطئ الأمان وتارة يعيدها جوفه كما الأصداف ،فكل شيء يقاس بزركشة أكاذيب التقاليد البكماء و الأعراف العمياء وويل لمن اختلفت عنده تلك المقاييس الرّعناء …..
هربَتْ لكوكب فاحش الغِنى غارقاً بنعم ،خيرات ، سُلطة ، خدم ، وثراء ….. ولا يجود في زمانها إلا بلقيمات شوق وشذرات مشاعر متناثرات تسد بها الرّمق الباقي لعبثية وجود فانية ….
هاجرَتْ وطنها لتسكن القفص المرصّع حيث الأنَفَة القيادية التملُّكية…التي لها في صكوكها كل الحقوق وفي بنودها عين الصواب لما تقترف وفيما عداها أخطاء وكذب وافتراء ، أنَفَة تعرف ماتريد فعندها الرجال قوّامون وحرام على ما ملكت أيمانهم العيش والحياة أو حتى تنفس الصعداء ….
تأملَتْ خوفها و حيرتها ، انتظرت الرسوّ إلى برّ سلام وطمأنينة بعد اشتداد تلاطم أمواج رجولة طاغية بصخور أنوثتها القويّة علّها تنهي كل مراحل العناء والإنهاك وهروب البدايات والنهايات…..
إلى متى ؟؟؟ سؤال تردده كل يوم عسى غيوم الأمل تهطل زخات أماني ورشقات هناء آتٍ… بعدما صلّت أعواماً صلاة استسقاء .
بقلم عاج شماجولي