الفزعة والتراث بقلم زهير مشعان

30

الفزعة والتراث!
زهير مشعان
يعتبر وادي الفرات من أقدم المناطق المأهولة في العالم، حيث استوطن فيه الإنسان منذ بدء تحوله من (الحالة الرعوية إلى الزراعة) وبدأ تدجين الحيوانات، وهي أرقى في تطور المجتمعات، ولذلك نجحت الدعوة المحمدية التي دعت للمساواة والمشاركة في يثرب الزراعية، بينما عارضتها في البداية الأرستقراطية التجارية القرشية في مكة، ثم انخرطت فيها بعد أن جيّرتها لمصلحتها، وكذلك استهجنتها العلاقات الرعوية في الطائف من قبل بني ثقيف عندما ذهب إليهم الرسول يطلب مساعدته ورموه بالحجارة.
بقي سكان وادي الفرات يحملون كثيراً من القيم الاجتماعية للحالة الرعوية، لكن بعد أقلمتها مع الحالة الزراعية، بالإضافة للقيم التي أفرزها واقعهم الزراعي الجديد، من تعاون ومشاركة وغيرها، لذلك بقيت غالبية العشائر التي تقطن وادي الفرات تعيش الحالتين، حيث لكل عشيرة أغنامها وإبلها وبئرها ورعاتها ومراعيها في بادية الشام، التي تقابل القرى التي سكنوها، وتبرز هذه القيم المختلطة في العمل والممارسة والعادات والتراث والتقاليد وحتى غنائها وفرحها وحزنها، هذا التراث الذي انغمس بعرق ودم أبناء الفرات. والآثار التي توجد في منطقة وادي الفرات تؤكد أنه من أقدم المناطق التي استوطنها الإنسان، كبيوت (بقرص وتل مريبط الطينية الطينية) رغم تحول كثير من المناطق في الوادي فيما بعد إلى ممالك المدن كماري وقرقيسيا ودورا أوربوس، وسبق أن تحدثت عن (المطر والتراث) واليوم أتحدث عن (الفزعة) والتراث.
الفزعة لغوياً
الفزعة تأتي من الفزع أي الخوف، وهي ليست المقصودة بموضوعنا هذا، والفزعة وفزع لصاحبه أي: أغاثه، أي: ساعده، وهذا المعنى هو المطلوب والمتداول في التراث، والفزعة (غالباً) ما تكون (جماعية) وأحياناً تكون (فردية أو باثنين أو أكثر) حسب طبيعة الظرف والواقع الذي يتطلبها. أي هناك أشكال وأنواع متعددة من الفزعات سأذكر بعضها، وأمثلة عليها:
الفزعة الحمائية
وهي فزعة لمواجهة خطر من آخرين أو من الطبيعة، كمواجهة الوحوش، مثل: الذئاب والضباع، التي تستهدف قطعان الأغنام، وكذلك عندما فزعت بعض عشائر وادي الفرات لبعضها في مواجهة غزو البدو لقطعانهم ومزروعاتهم، واجتمعت العشائر في قبيلة واحدة تنتشر في شرق سورية وغرب العراق تسمى (العكيدات) حيث تعاقدت وتعاهدت مع بعضها، وليس الرابط بينها النسب، وكذلك عندما يفزع أهل كل قرية لمواجهة (فيضان نهر الفرات) لإنقاذ المغمورين، وإقامة سدّة أو ورفع مستوى السدة لحمايتهم من الفيضان.
الاختلاط
يشارك في الفزعة الرجال والنساء معاً دون تمييز فالواقع يفرض (الاختلاط) وهذا ما يتجسد أيضاً في العمل الزراعي والعادات والتقاليد في الأعراس والدبكات الجماعية والمآتم، وحتى في استقبال الضيوف.
الفزعة الوطنية والطبقية
لقد تعززت الفزعة الحمائية وتطورت وأخذت طابعاً (وطنياً) في مواجهة المستعمر البريطاني والفرنسي والأمثلة كثيرة، ومنها: فزعة عشيرة البو خابور وعشيرة العنابزة وبدعم من أبناء مدينة دير الزور في مواجهة الحملات الفرنسية عليهم، وكذلك بقية قبيلة العكيدات والبوسرايا والبكّارة وغيرهم في المنطقة.
كما أخذت طابعاً (طبقياً) عندما فزعة البو خابور وأهالي موحسن نساءً ورجالاً وبدعم من الشيوعيين في المدينة لمواجهة الإقطاعي الذي استولى على أراضيهم، واستطاعوا انتزاعها منه واستعادتها، وكذلك فزعة أهالي قرية المويلح في جزيرة ديرة الزور لمواجهة تسلط أحد الشيوخ. ورغم أن نمط الإنتاج الآسيوي كما سماه ماركس، حيث رقبة الأرض غالباً تكون مملوكة للدولة لم يترسخ شكل الإقطاع فيها كما في أوروبا، وإنما الحاكم أو الخليفة وولاته يقومون بمنح الأراضي لشخص، وتستعاد منه عند الغضب منه، وتعطى لآخر.
وفي الفزعة الوطنية والطبقية امتزج الدم بالوجود، ودخلت في تراث أبناء المنطقة في حدائهم وهوساتهم التي تثير الحماسة والشجاعة.
فزعات العمل
نتيجة بدائية أدوات العمل الزراعي كالمحراث القديم لحراثة الأرض والغراف لريها، والمنجل لحصاد القمح والحيلان لدرسه، وحتى في سلقه وجرشه وطحينه، لا يستطيع الفلاح لوحده إنجاز عمله الزراعي فيطلب الفزعة من أقاربه وجيرانه وأهالي قريته، وهم كذلك، فالمجلاة التي تستخدم في تقسيم الأرض إلى ألواح تتطلب شخصين، وكذلك سقاية الأرض، والحصاد يتطلب العشرات ربما حسب مساحة الأرض، وأيضاً كان للعمل الزراعي وخاصة الحصاد أغانيه وحدائه الذي امتزج بعرق الفلاحين، وكان الشيوعيون سباقين في الفزعة للفلاحين الفقراء في مواسم الحصاد.
أما في البناء، كما نوهت في البداية، فالبيوت كانت تبنى من الطين الذي يمزج بسفير القمح (التبن) الذي يمنحه تماسكاً ويُصب في قوالب خشبية مستطيلة بمقاسات تقريباً 50 سم طولاً و30 عرضاً وسماكة 10 سم، ويترك ليجف تحت أشعة الشمس، ويسمى (لِبِن) ثم يتم بناء البيت به وسقفه بسيقان الأشجار وفوقها الزل وسعف النخل ثم يتم مد التراب المشوي (الجص الأسمر) على السقف وتطيين الجدران به، وكانت البيوت تبنى على شكل حرفL ) ) وتتجه غالباً للشمال الغربي، وعند بناء بيتٍ لأحد أبناء القرية يفزع له الكثيرون لأنه لا يستطيع لوحده القيام بذلك.
الفزعات الاجتماعية
فزعات الفرح عند العرس وطهور الأولاد، وفزعات الحزن عند الموت، وفزعات الإغاثة.
فزعة العرس: يشارك فيها الرجال بالذبح والسلخ وإعداد الوليمة وبمشاركة النساء، وبناء الخيمة ثم تقديمها، والتي يحضرها جميع أهل القرية بدعوة ودون دعوة حيث الدعوة جماعية دون تمييز، وكذلك يشاركون في الزفاف والغناء والدبكات الجماعية رجالاً وشباباً وشاباتٍ معاً وتتشابك الأيدي معاً، وهذه العلاقات الاجتماعية بالاختلاط وغيره حتى الحب مباح وعلني.
فزعة الحزن: وهي عند موت أحد ما من القرية، حيث يفزع الأقارب والجيران لحفر القبر والمشاركة في التشييع والدفن، وفي نصب خيمة العزاء وتقديم العزاء والطعام للمعزين.
فزعة الإغاثة: وتكون عندما يتعرض فر أو جماعة لكارثة بيئية، كالفيضان، فيضان نهر الفرات الذي كان يجتاح القرى والأراضي الزراعية، أو عندما تتعرض الحقول والمحاصيل الزراعية للحريق، أو غيرها.. كالزلازل، وغيرها