التشكيلي إبراهيم الحميد يخرج من رحم العجاج شاهراً ريشته
– الحميد يستنطق الواقع بألوانه.
– يوثّق الزمكان بحكايا بصرية مدهشه.
هامت ريشته عشقا في طين الفرات، والوجوه المتعبة الحالمة، وحكايا الحنافيش السعلاة في قصص العجائز، والعرافة التي تلتف حولها العيون بحثاً في كلامها عن بقايا فرح مفقود، علّه يطرد جفاف الروح والأرض في آن واحد.
في لوحة العرافة كتل على نسق واحد استمد ألوانها من لون العجاج الذي يضيّق الصدر آن يحل دون إنذار.
أسبلت – الريشة – كل حواسها واستسلمت لمن عرف كيف يأسرها، حملت اللون وهناً على وهنٍ، وكرهاً، وفرحاً،
لتخرج للقارئ البصري مكنونات التشكيلي إبراهيم الحميد الدفينة.
رقصت الألوان وتناثرت من داخله المثقل بالهموم المتوالدة ليل نهار، ليفردها على اللوحة التي يكره تأطيرها، وعلى مساحة ذاته.
حتى يخال لك ان الألوان تنتثر بشكل مدروس، وكأنك تبصر من خلال نثرها فراشه على شكل مزّاجة احتوت كل المفردات اللونية.
لون يركض تجاه ريشة عرفت سره وكنهه ودلالاته ، عرفته علاجا للنفس المتعبة وزينة، فاللون يحكي قصة الحياة الإنسانية، و مصدر هدوء للنفس التي ضغطت عليها الحياة فأنستها كل شيء؛ إلا الجري خلف لحظه صفاء وراحة، لم تأت مرحلة الود بين الريشة واللون إلا بعد عناء و جهد ودراسة، حدثت بعدها عملية استدعاء لمجموعة الصور والمناظر المخزنة في المنطقة السفلي من الدماغ، منطقه اللاشعور، وهذه المنطقه بمثابة حصالة وضع _الحميد _ فيها كل البيانات البصرية التي خزّنها من وجع وبقايا فرح ووجوه تائهة، وأمكنة يغلفها العجاج والقهر والعوز.
أراد ان ينتج علاقة حميمة بين الريشة واللون وذاته
نتاجا بصريا يُخّلّد رؤاه، ويخلّد منجزه البصري.
ويدل على مهارته وقدراته التكنيكية في محاورة اللون، لصنع حكايته.
ذاكرة بصرية قادرة بدقه ومهارة فائقة على إفراغ قاعدة
البيانات البصرية في لوحة يرى الناس من خلالها عوالم
منجزها والحكم على تجربته كلٌ وفق رؤيته وتقافته.
سعى كل من اللون والريشة ورؤيته على تخليد رحلة زمانية ومكانية من خلال معالجات واقعية أقرب إلى مرحلة التوثيق لحالة معاشة عبر عزف لوني ليشكل حكايا لونية حالمة بصفاء كصفاء المكان واللون وشخوصه الذي وَسَمَ به اللوحة.
حَمّلَ الحميد ريشته مسؤولية كبيرة ومع ذلك حملتها ليس كحمل الإنسان للأمانة لأنه كان جهولا.
حمل الحميد معادلته اللونية ليُشكّل منها شارات بصرية تستحق الوقوف والتأمل بل والمحاورة بينها وبين المُشاهد.
كثير من لوحاته تدل على مصداقية الحميد وعلى عمق منتجه الفني وعمق قراءة الأزمنة والأمكنة التي احتوتها اللوحات، فكان بحق مؤرخّا وأمينا على مرحلة زمانية ومكانية معقدة.

