صالح السهيمي في: “أغنية للجياع”… رصد لـــ تبدلات القيم والمصالح بقلم خلف عامر _ الرياض

85

صالح السهيمي في:

“أغنية للجياع”… رصد لـــ تبدلات القيم والمصالح

عبر صوت مقموع لمغنٍ خائف من تداعيات “أغنية للجياع”، يصور لنا القاص “صالح السهيمي” قلق المغني وهو يتلفت في كل اتجاه استباحته دياجير ظلام حالك يكاد لا يرى ذاته، وهي تدور حول هيكله المهزوم والمثقل بالهموم.
الهيكل الذي أنهكه الركض خلف رغيف صعب الإمساك به.
ذكر السهيمي في الإهداء :
“إلى كلِّ الجياعِ في الوطن العربي اُهدي إليهم أغنياتِ الفَجر الجديد”.
أتساءل كيف تهدأ زوبعة الجوع المجنونة وقد تخطت إلى أبعد بكثير مما ذكره القاص في الإهداء، بل واقتلعت أحلام بطون أقل ما يقال عنها إنها خاوية.
كعقرب الثواني في ساعة الوقت فيها مشروخ؛ يحاول المغني جمع شتات صوته المهزوز.
وكأنه يتوسل حباله الصوتية بشدة ألا تخرج عن سيطرته بكل نزقها من جوفه الذي تمرد على القلة وهو يردد:
“قَاتَلَ اللهُ الفَقْرَ، كَمْ أذَلَّ أَبْريَاء!.
قَاتَلَ اللهُ المرضى والأغبياء!
قَاتَلَ اللهُ النساء من الرجال!
قَاتَلَ اللهُ الجميع!!!”
عرّى “السهيمي” في قصة “أُغْنِيةٌ للجِيَاع”،النساء من “الرجال” وصعاليك هذا الزمان، وكأني به يعمل مقارنة أخلاقية بينهم – الصعاليك – في زمنين، كاشفاً المرارات الفجة التي تزكم الأنوف:
“في مجلس الشيخ رحَّب بالجميع وقال:
– يا قوم تعلمون بأني أنا من أمر بحفر هذه البئر قبل ثلاثين عاما، وأنا من أمر بهجرها… فمن الذي تجرأ على حفرها دون علمي ؟!
– قال المؤذن:
– لا أحد يجرؤ – ياشيخ – على القيام بعمل دون استشارتك.
قال الصعلوك:
– وما الضيرُ في بعثها من جديد!
– أنت تعلم أصبحت في ملكي الآن !!!
– لكنها قبل ثلاثين عاما كانت ملكاً للقرية!
قال أحد الحاضرين:
– الشيخُ له حقُّ التصرّفِ الآن، وما يأمر به مطاع.”
وبيّن القاص جشع الشيخ واستحواذه – بالبئر- على من جعل الله منه كل شيء حي.
وفي قصة “مشالح مزيفة” يفضح “السهيمي” الوصوليين وروائحهم النتنة، وركضهم نحو مصالح دونية آنية، والكشف عن فساد مالي في الجامعة.
يرصد السهيمي في قصة “مقالة الأصلع “، اندفاع وحماس الصحفي خالد حينما يفرغ من كتابة مقال يلامس شغاف الآخرين بما يكتبه عن معاناتهم، يستسلم لنشوة الانتصار لهؤلاء المكلومين وهو يردد بزهو:
“أصبحتُ الآن أشهر صحفي في الوطن !”
يبدو أنه لم يدرك بحسه الصحفي لعبة المتغيرات المتسارعة والمفاجئة في العالم بشكل عام.
“فتح المغلف الذي سلمه إياه رئيس التحرير:
– ما هذه المكافأة المجزية يا مدير؟!
– أنا في قمة الأسف لما حدث هناك أمور لا يمكن أن نتحدث عنها!
– إن الذي يدور في الكواليس يشبه الظلام !ولا يسطيع أحد إثباته!!!
– عزيزي سبق وأن أخبرتك بأن مقالاتك جميلة، لكنها تسبب لنا الحرج في مواجهات القطاع الخاص والمسؤولين!”
ربما لم يدرك يوما ما أن صوته يجب أن يكون صوته الممول حصريا، لا صوته هو.
وفي قصة “حياة جديدة” يرصد السهيمي حلم المهاجر بالثراء، وكشف جشع أصحاب قوارب الموت، وخديعتهم للمهاجرين، وكذبهم وزيفهم وابتزازهم، وسلبهم أموالهم، مقابل إيصالهم لشواطئ الثراء التي رسموها في مخيلتهم ويحلمون بالوصول إليها.
قصة فصولها لا تتوقف على امتداد الخارطة، غالبا ما يكون حلم المهاجر بالغرق، أو الجنون لأنه باع كل ما يملك في بلده لتأمين نفقات الرحلة.
*هامش:
أغنية للجياع مجموعة قصصية من الحجم المتوسط من إصدارات نادي الباحة الأدبي.
لقد خدمت صورة الغلاف بضبابيتها وعدم وضوح ملامحها، وتحديد رقعتها الجغرافية بلونها الكالح والجفاف المسيطر على كامل المساحة يؤكد دقة رؤية القاص في اختياره عنوان لمجموعته القصصية.
والتي ضمت بين صفحاتها القصص التالية:
(أغنية للجياع – آنسة الفيافي – أنثى الليالي التي – عزف الراحلين – حياة جديدة – مشالح مزيفة – صمت – مقاله الأصلع – العازفان – الفراغات البيضاء.)