سلامتك تركيا.. سلامتك سوريا» بقلم عامر الصومعي_ سيدني
«سلامتك تركيا.. سلامتك سوريا»
مبادرة طفولية من سيدني تذكّر بقوة التعليم والعمل التطوعي
بقلم: عامر الصومعي – سيدني
لقد صادف اليوم اليوم العالمي للتطوع (5 ديسمبر)، وهو مناسبة لتسليط الضوء على المبادرات الإنسانية ودور الأفراد في خدمة مجتمعاتهم. ومن بين هذه المبادرات، تبرز قصة طفلتين من أصول سورية في سيدني، أثبتت أن روح المسؤولية والعمل التطوعي لا تعرف عمرًا، وأن التعليم يمكن أن يكون قوة لتغيير حياة الآخرين.
تولاي صلان وابنة خالها سيلدا، من أصول سورية وتنتميان إلى المجتمع التركماني، أطلقتا قبل عامين حملة تبرعات تحت شعار «سلامتك تركيا – سلامتك سوريا»، دعمًا للمتضررين من زلزال تركيا وسوريا. واليوم، تُستذكر مبادرتهما كنموذج ملهم على دور التعليم والعمل التطوعي في بناء وعي إنساني مبكر.
في شباط/فبراير 2023، ضرب زلزال بلغت قوته 7.8 درجات جنوب تركيا وامتد أثره إلى سوريا، مخلفًا أكثر من 51 ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى. وبينما انشغل الكبار بمتابعة الأخبار، كان للأطفال نصيبهم من الصدمة والأسئلة.
تولاي صلان، الطالبة في الصف الخامس الابتدائي، تابعت المشاهد برفقة والديها، خاصة مع تضرر أفراد من عائلتها في سوريا وتركيا. لكنها لم تكتفِ بالتعاطف، بل قررت تحويل الحزن إلى فعل إيجابي داخل مدرستها.
وتقول تولاي:
«شفت البيوت المهدّمة والأطفال اللي فقدوا بيوتهم، وحسّيت إنه لازم نعمل شي. التعليم مهم، بس كمان لازم نساعد الناس ونوقف جنب بعض».
بعد موافقة إدارة المدرسة، نظّمت تولاي يومًا خيريًا لبيع الكيك بمشاركة شقيقها ضياء، فيما انتقلت الفكرة سريعًا إلى مدرسة ابنة خالها سيلدا.
سيلدا، البالغة اليوم 14.5 عامًا، تدرس في مدرسة ثانوية انتقائية (Selective High School)، وهي مدارس حكومية صارمة القبول، تعتمد اختبارات ومفاضلات تنافسية. ورغم الضغط الدراسي، آمنت سيلدا بأن التفوق الأكاديمي لا يتعارض مع العمل الإنساني.
وتقول سيلدا:
«التركيز على الدراسة شيء أساسي، خصوصًا في المدارس الانتقائية، لكن هذا ما يمنع إننا نكون جزءًا من المجتمع. المبادرات التطوعية بتعلّمنا مسؤولية ما بنتعلمها من الكتب».
اعتمدت الحملتان على فكرة بسيطة وملهمة: بيع قطع الكيك داخل المدارس، وارتداء قمصان حمراء كتب عليها باللغتين العربية والتركية «سلامتك تركيا – سلامتك سوريا»، في رسالة رمزية عن التضامن ووحدة الألم.
وقد لاقت المبادرتان دعمًا واسعًا من المعلمين والطلاب، وعكس النشاط حيوية المجتمع الأسترالي متعدد الثقافات. بعد انتهاء الحملتين، جرى إرسال جميع التبرعات إلى الصليب الأحمر الأسترالي لتوزيعها عبر القنوات الرسمية على المتضررين.
اليوم، ومع مرور اليوم العالمي للتطوع، تبقى مبادرة تولاي وسيلدا درسًا حيًا في أن المبادرات الصغيرة يمكن أن تترك أثرًا كبيرًا. فقد حرصت الطفلتان على التأكيد، في مناسبات لاحقة، على أن التعليم ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة المجتمع.
وتضيف تولاي:
«نتعلّم عشان نصير أحسن ونقدر نساعد غيرنا. أي طفل ممكن يعمل شي صغير، بس تأثيره ممكن يكون كبير».
وتختم سيلدا نصيحتها لليافعين:
«العمل التطوعي ما بدها عمر كبير ولا إمكانيات ضخمة، بدها إحساس ومسؤولية. لما ننجح بالدراسة ونخدم مجتمعنا بنفس الوقت، نكون عم نبني مستقبل أفضل للجميع».
قصة تولاي وسيلدا تذكّرنا أن العمل التطوعي والتعليم مشوار مستمر، وأن المبادرات الإنسانية لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تستمر كقيمة ملهمة.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه المبادرة بعمقها الإنساني:
إذا كان الأطفال قد بادروا، فماذا ينتظر الكبار؟



