من لبنان إلى أستراليا… حين تصبح الكلمة وطنًا بديلاً سيرة جيلٍ لم يساوم بقلم عامر الصومعي – سيدني

8

من لبنان إلى أستراليا… حين تصبح الكلمة وطنًا بديلاً
سيرة جيلٍ لم يساوم
بقلم عامر الصومعي – سيدني

بين ضجيج السياسة وهدوء المنفى، تتشكّل سيرة الإعلامي اللبناني رفيق الدهيبي كحكاية نضال طويل لم تنقطع فصوله بتغيّر الجغرافيا. من مدينة المنية في شمال لبنان، المدينة المرتبطة بذكرى الشهيد رفيق الحريري وبحضورها الدائم في المشهد السياسي اللبناني، خرج الدهيبي حاملًا همّ الوطن، ليحوّل الاغتراب من عزلة قسرية إلى مساحة فعل إعلامي وسياسي مؤثر في قلب الجالية العربية في أستراليا.

وُلد الدهيبي في بيئة لبنانية مثقلة بالصراعات والتدخلات الإقليمية، حيث تشكّلت مواقفه السياسية مبكرًا في مواجهة النظام السوري وهيمنته على القرار اللبناني. هذا الانحياز للحرية والسيادة كلّفه الكثير، إذ تعرّض للملاحقات والاستدعاءات من قوات الردع العربية، ما اضطره لمغادرة لبنان قسرًا إلى قبرص، قبل أن يستقر في أستراليا، التي تحوّلت مع الوقت إلى منبر دائم لصوته ومواقفه.

المنفى لم يكن نهاية النضال، بل بدايته بصيغة جديدة. منذ وصوله إلى أستراليا، انخرط الدهيبي في نشاط سياسي وإعلامي داعم للحركة الوطنية اللبنانية، كما تبنّى موقفًا واضحًا في دعم المقاومة ضد الظلم والطغيان، من خلال نشاطه إلى جانب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ودعمه لسقوط نظام الملالي وإقامة دولة الأحواز العربية المحتلة. كان يؤمن بأن الدفاع عن الحرية والكرامة لا يقتصر على وطنه الأصلي فحسب، بل يشمل كل شعوب المنطقة التي تعيش تحت القهر والاستبداد.

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شارك مع مجموعة من المثقفين والناشطين في سيدني وملبورن بتأسيس مجلة «التقدمي» الشهرية، لتكون منبرًا فكريًا وسياسيًا للجالية العربية، ومساحة حوار في زمن كان الإعلام الاغترابي العربي محدود الإمكانات لكنه غني بالإرادة والالتزام بالكلمة الحرة.

عام 2008، أسس موقع Farah News Online (فرح نيوز)، ليصبح منصة عربية بارزة في المهجر، ناقلًا أخبار الجاليات وموثّقًا زيارات رسمية وشخصيات سياسية ودينية بارزة، مثل الرئيس اللبناني الأسبق العماد ميشال سليمان والبطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. لم يكن “فرح نيوز” مجرد ناقل خبر، بل جسرًا يربط المهجر بالذاكرة السياسية والثقافية العربية.

مع اندلاع الثورة السورية، برز موقف الدهيبي بوضوح، فساند المعارضة السورية، وشارك في تأسيس الجمعية السورية الأسترالية المعارضة للنظام بالتعاون مع الأستاذ زهير السباعي، ووضع موقعه في خدمة تغطية النشاطات والاحتجاجات، ناقلًا صوت جالية تعيش وجع الحرب واللجوء من جديد.

إلى جانب عمله في “فرح نيوز”، كتب مقالات وتحقيقات لصحيفة «الخندق»، وغطّى أحداث أستراليا لقناة الحدث، وأجرى مقابلات موسّعة عن الجالية السورية وقياداتها في المهجر. وقد شهدت منصاته دعمًا مستمرًا لقضايا الشعوب المضطهدة، مثل مطالب الأحواز العربية وحقّها في الحرية والاستقلال.

قد يكون موقعه الإعلامي محل نقاش وجدال، كما هو حال أي منصة ذات موقف واضح، لكن الثابت أن رفيق الدهيبي شكّل علامة بارزة في صحافة الجاليات العربية في أستراليا. هو إعلامي وناشط لم يبدّل قناعاته بتبدّل الأمكنة، ولم يجعل من الاغتراب ملاذًا للصمت، بل ساحة مفتوحة للكلمة والموقف.

إن سيرة رفيق الدهيبي هي سيرة جيلٍ لم يساوم، آمن بأن الإعلام موقف، وأن الكلمة الصادقة قادرة على عبور البحار دون أن تتخلى عن جذورها، وأن الدفاع عن الحرية ليس خيارًا بل واجبًا يتجاوز الحدود الوطنية.