من ساحل بوسان إلى شواطئنا: هل نرى “قطار الكبسولة” في سوريا؟ بقلم: عامر الصومعي – سيدني

9

من ساحل بوسان إلى شواطئنا: هل نرى “قطار الكبسولة” في سوريا؟
بقلم: عامر الصومعي – سيدني

عندما تقف في مدينة “بوسان” الكورية، وتحديداً في “حديقة بلولايم” (Blueline Park)، لا يسعك إلا أن تشعر بمزيج من الانبهار والغيرة الإيجابية. هناك، حيث تحولت سكة حديد قديمة مهجورة إلى واحد من أهم المعالم السياحية في آسيا عبر ما يسمى بـ “قطار الكبسولة” (Sky Capsule). بصفتي مقيماً في سيدني ومطلعاً على التجارب العالمية، وأحمل في قلبي هموم وطموحات بلدي الأم سوريا، قفز إلى ذهني فوراً سؤال ملح: لماذا لا يكون لدينا مثل هذا في سوريا؟ وما هي جدواه؟

تجربة بوسان: إعادة تدوير الجمال
ما فعلته كوريا الجنوبية لم يكن اختراعاً للعجلة، بل كان “ذكاءً استثمارياً”. لقد أخذوا خط قطار قديماً متهالكاً على الساحل، وبدلاً من إزالته، حولوه إلى مسار لمركبات صغيرة (كبسولات) ملونة، تسير ببطء (5 كم/ساعة) وتتسع لـ 4 أشخاص فقط. الفكرة عبقرية ببساطتها: خصوصية تامة للعائلة، إطلالة بانورامية على البحر، وتصميم “ريترو” كلاسيكي جذاب يملأ وسائل التواصل الاجتماعي. التكلفة التشغيلية منخفضة مقارنة بالقطارات السريعة، والعائد السياحي هائل.

هل يمكننا إقامة مثل هذا المشروع في سوريا؟
الجواب القصير هو: نعم، وبقوة. سوريا تمتلك المقومات الجغرافية التي تتفوق أحياناً على تضاريس بوسان. لنتخيل معاً هذا المشروع في موقعين مقترحين:

كورنيش اللاذقية أو طرطوس: تخيل مساراً معلقاً (Monorail) بسيطاً يسير بمحاذاة الشاطئ الأزرق أو الكورنيش البحري. كبسولات زجاجية ملونة تنقل العائلات من طرف المدينة إلى طرفها الآخر ببطء، مع غروب الشمس في المتوسط.

المناطق الجبلية (الزبداني – بلودان أو صلنفة): قطار الكبسولة لا يحتاج لأرض مسطحة تماماً. يمكن أن يكون وسيلة تنقل سياحية بين المصايف، يطل على الوديان الخضراء، ليكون بديلاً عصرياً وآمناً عن الطرق الجبلية المتعرجة للسيح.

الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشروع
إذا أردنا التحدث بلغة الأرقام والمنطق (وهو ما تعلمناه في عالم الأعمال هنا في أستراليا)، فإن جدوى هذا المشروع في سوريا تتلخص في النقاط التالية:

1. انخفاض تكلفة التأسيس: مقارنة بمشاريع “المترو” أو القطارات السريعة، فإن “الكبسولة الهوائية” لا تتطلب بنية تحتية معقدة. هي عربات خفيفة الوزن، تسير على مسارات ضيقة أو معلقة، ولا تحتاج لمحركات ضخمة لأن هدفها التنزه لا السرعة.

2. الخصوصية الثقافية: نحن مجتمع يحب الخصوصية. الكبسولة التي تتسع لـ 4 أشخاص فقط (عائلة صغيرة أو أصدقاء) تعتبر مثالية للعائلات السورية المحافظة التي تريد الاستمتاع بمنظر البحر أو الجبل دون الاختلاط المباشر في عربات كبيرة مزدحمة.

3. التسويق السياحي المجاني: في عصر “الإنستغرام” و”تيك توك”، هذه الكبسولات الملونة تعتبر “مغناطيساً” للتصوير. كل صورة يلتقطها سائح ومغترب هي إعلان مجاني لسياحة سوريا، تماماً كما فعلت كبسولات بوسان التي جذبت ملايين السياح.

4. خلق فرص عمل وتشغيل مرافق: هذا المشروع ليس مجرد قطار؛ هو منظومة. يحتاج لمحطات انطلاق ووصول، وهذه المحطات تتحول إلى أسواق صغيرة (كافيتريات، محلات تذكارات، خدمات). إنه يحيي المنطقة المحيطة به بالكامل اقتصادياً.

5. حلول نقل ذكية: في المناطق المزدحمة صيفاً (مثل الكورنيش)، يمكن لهذا القطار أن يقلل من استخدام السيارات الخاصة للمسافات القصيرة، مما يخفف الازدحام المروري ويقلل التلوث.

الخاتمة
إن تجربة “السكاي كبسول” في بوسان ليست مجرد ترفيه، بل هي درس في كيفية تحويل “المكان العادي” إلى “وجهة عالمية”. سوريا، بساحلها الممتد وجبالها الشامخة، تستحق مشاريع نوعية كهذه. لا نحتاج دائماً لناطحات سحاب لننافس، أحياناً فكرة بسيطة، ملونة، وتراعي طبيعة البلد، كفيلة بأن تصنع الفارق.

من سيدني إلى دمشق، الرؤية واضحة، والفرصة موجودة، بانتظار من يلتقطها.