أختامٌ في مفكرة 2025: زيارتي مع أختي الدكتورة سحر إلى قرية “غامتشون” بقلم: عامر الصومعي – سيدني
أختامٌ في مفكرة 2025: زيارتي مع أختي الدكتورة سحر إلى قرية “غامتشون”
بقلم: عامر الصومعي – سيدني
السفر ليس مجرد انتقال جغرافّي من مكان إلى آخر، بل هو تلك اللحظات الصغيرة التي تتحول بمرور الوقت إلى كنوز نعود إليها كلما زارنا الحنين. وفي رحلتي الأخيرة إلى كوريا الجنوبية، لم تكن الوجهة هي البطل الوحيد في القصة، بل كانت الرفقة هي ما أضفى على الأماكن روحاً ومعنىً مختلفاً. كانت رفيقتي في هذه المغامرة أختي الغالية، الدكتورة سحر الصومعي، التي جعلت من زيارتنا لقرية “غامتشون” الثقافية في مدينة بوسان فصلاً دافئاً لا يُنسى في كتاب ذكرياتنا.
عندما وصلنا إلى مدينة بوسان الساحلية، استقلينا الحافلة الصغيرة التي شقت طريقها بصعوبة صعوداً نحو الجبل الشاهق. ومع كل منعطف حاد، كانت تلوح لنا ملامح تلك القرية الفريدة التي يُطلق عليها المسافرون لقب “سانتوريني كوريا”. التفتت إليّ سحر وقالت بحماس وعيناها تلمعان دهشة: “انظري يا عامر إلى هذه الألوان! وكأن شخصاً ما نثر علبة ألوان ضخمة على سفح الجبل”. كانت المنازل المتراصة بتدرجات الباستيل—الأزرق السماوي، الوردي الهادئ، والأصفر المشرق—تشكل لوحة فنية حية تعانق السماء، في مشهد ينسيك صخب العالم الحديث.
لكن المتعة الحقيقية لتلك الزيارة بدأت عندما قررنا خوض “مغامرة الأختام”. اشترينا خريطة القرية الورقية من المدخل، وهي خريطة مصممة بذكاء لترشد الزوار إلى نقاط محددة ومخبأة بعناية في أزقة القرية ومتاهاتها المتشعبة. تحولت جولتنا فجأة من مجرد مشي سياحي تقليدي إلى لعبة ممتعة للبحث عن الكنز. كنا نسير أنا والدكتورة سحر في الأزقة الضيقة جداً، نضحك ونحن نبحث بلهفة تشبه لهفة الأطفال عن “صناديق الأختام” الخشبية الصغيرة المثبتة في زوايا مخفية، أو عند مداخل المعارض الفنية الصغيرة والمقاهي العتيقة.
في كل مرة نلمح فيها صندوقاً، كانت تعلو ضحكاتنا ونحن نتسابق لختم الخريطة. لم يكن الأمر مجرد حبر يُطبع على ورق، بل كان توثيقاً ملموساً لكل خطوة، ولكل نفس صعدنا به السلالم المتعرجة وشديدة الانحدار. مررنا بجداريات الأسماك الخشبية الملونة التي تسبح في الهواء، ووقفنا بجانب تمثال “الأمير الصغير والثعلب” الشهير الذي يجلس على الحافة ناظراً إلى الميناء البعيد، وكل محطة توقفنا عندها كانت تمنحنا ختماً جديداً وذكرى جديدة تضاف إلى رصيدنا.
واليوم، ونحن في هذا العام، كلما فتحت مفكرتي لعام 2025، تتوقف يدي تلقائياً عند تلك الصفحات التي احتفظت فيها بتلك الأختام بعناية. إنها ليست مجرد رسومات عابرة، بل هي آلة زمن صغيرة ورقية. كل ختم فيها يعيدني فوراً إلى تلك اللحظة؛ أستعيد رائحة القهوة التي شربناها في المقهى المطل على القرية من الأعلى، وأسمع صوت ضحكات سحر وهي تشير لي إلى طريق مختصر بين البيوت، وأستشعر لذة الإنجاز البسيط والجميل عندما أكملنا الخريطة معاً وختمنا آخر محطة.
تلك الأختام القابعة في مفكرتي الآن هي الشاهد الحي والأبدي على يوم سرقنا فيه من الزمن ساعات من الصفاء، ومشينا فيه بين ألوان غامتشون لنصنع لوحتنا الخاصة من الذكريات. لقد كانت زيارة استثنائية، ليس فقط لجمال المكان وسحره، بل لأنني كنت بصحبة إنسانة استثنائية، أختي الدكتورة سحر، التي جعلت من عام 2025 عاماً يحمل في طياته أجمل “ختم” للأخوة والمحبة، باقٍ ما بقي الورق والذاكرة.





