إضاءات عربية: عندما تصبح الثقافة وطناً والإعلام رسالة بقلم عامر الصومعي
إضاءات عربية:
عندما تصبح الثقافة وطناً والإعلام رسالة
بقلم: عامر الصومعي.
ودّعت الأوساط الثقافية العربية عاماً استثنائياً، تحوّلت فيه عروس الخليج، دولة الكويت، إلى خلية نحل لا تهدأ، محتضنةً لقب “عاصمة الثقافة والإعلام العربي لعام 2025”. هذا الاختيار الذي جاء من قبل منظمة “الألكسو” لم يكن مجرد تتويج بروتوكولي، بل كان شهادة استحقاق لدور الكويت التاريخي في صياغة الوجدان العربي منذ خمسينيات القرن الماضي.
انطلاقة بروح التجدد في فبراير من العام المنصرم، ومن قلب مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، انطلقت الشرارة الأولى ببرنامج طموح احتوى على نحو 98 فعالية كبرى، توزعت على 235 يوماً من الإبداع الخالص. لم يكن الهدف مجرد استعراض للفنون، بل كان إرساءً لبرنامج “Pulse of Culture” (نبض الثقافة)، الذي سعى لتمكين الشباب وربط الجامعات بالمشهد الإبداعي، مؤكداً أن الثقافة في الكويت هي فعل يومي مستمر وليست مجرد احتفالات موسمية.
معرض الكتاب: مسك الختام وعمق الأثر ولعل المحطة الأبرز التي توجت هذا العام، كانت الدورة الـ48 لمعرض الكويت الدولي للكتاب (نوفمبر 2025). تحت شعار “عاصمة الثقافة.. وطن الكتاب”، أثبتت الكويت أنها لا تزال “الرئة” التي تتنفس من خلالها دور النشر العربية. بمشاركة 611 دار نشر من 33 دولة، وأكثر من 287 ألف عنوان، وبحضور مميز لسلطنة عُمان كضيف شرف، تحول المعرض إلى تظاهرة فكرية أعادت للاقتصاد المعرفي بريقه، وجذبت مئات الآلاف من الزوار والباحثين.
مجلة “العربي”: الجسر الذي لم ينقطع وفي غمرة هذه الاحتفالات، استحضر المثقفون النموذج الكويتي الأهم: مجلة “العربي”. تلك “الهدية” التي قدمها الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للعرب عام 1958، والتي لا تزال تحت قيادة رئيس تحريرها الحالي الأستاذ إبراهيم المليفي تخوض معركة التحديث الرقمي. لقد أثبت عام 2025 أن الروح التي زرعها د. أحمد زكي وأحمد بهاء الدين ود. محمد الرميحي ود. سليمان العسكري ود. ليلى السبعان، لا تزال هي المحرك الرئيسي للريادة الكويتية.
من الكويت إلى بنغازي.. شعلة لا تنطفئ بينما تشارف الفعاليات الرسمية على نهايتها في فبراير 2026 بحفل ختامي مهيب، تستعد الكويت لتسليم شعلة الثقافة إلى مدينة “بنغازي” الليبية. نحن هنا في أستراليا، ومن خلال منبر “بقعة ضوء”، نرقب هذا الحراك الثقافي بكل فخر؛ فدولة الكويت لم تكتفِ بكونها “مركزاً للعمل الإنساني” بفضل رؤية “أمير الإنسانية” الراحل، بل أكدت في عام 2025 أنها ستبقى “مركزاً للتنوير”، ومظلة تجمع العرب على مائدة الفكر والفن والجمال.
لقد جسّد عام 2025 تجربة فريدة، تحولت فيها البلاد إلى منصة للتلاقح الفكري، واحتضنت فعاليات جمعت بين أصالة التراث وحداثة الإعلام، ليبقى الأثر الثقافي الكويتي محفوراً في ذاكرة الأجيال، عابراً للقارات والمحيطات ليصل إلينا هنا في مغتربنا الأسترالي، مذكراً إيانا بأن الثقافة هي وطننا الأول والأخير.

