قلم: د. عامر الصومعي – سوريا وعلم النفس السياسي.. كيف انتصر “الاتزان” على ضجيج “الانفعال”؟

19

 

بقعة ضوء
بقلم: د. عامر الصومعي – سيدني

سوريا وعلم النفس السياسي.. كيف انتصر “الاتزان” على ضجيج “الانفعال”؟
ليس من المبالغة في شيء القول إن السياسة، في أعمق تجلياتها، ليست سوى “علم نفس تطبيقي”. فخلف كل حراك شعبي، أو قرار سيادي، تكمن محركات نفسية هي التي ترسم وجه التاريخ. وفي عالمنا المعاصر الذي تموج فيه الأحداث، يبرز النموذج السوري كحالة دراسية فريدة في علم النفس السياسي، حيث استطاعت الإدارة السياسية الحفاظ على “اتزانها” وسط أمواج عاتية من الضغوط النفسية والميدانية.

سيكولوجية القيادة السورية: الثبات في “لحظة الصفر”
إن الاختبار الحقيقي للقائد لا يكمن في الخطابات الرنانة، بل في “لحظة الصفر” التي تتطلب ثباتاً انفعالياً (Emotional Stability) يفصل بين المشاعر الشخصية ومقتضيات الموقف. في سوريا، واجهت الإدارة السياسية ما يمكن تسميته “أقصى حالات الاختطاف العاطفي” التي حاولت القوى الخارجية فرضها عبر التهديد والترهيب.

إلا أن المقاربة السورية اعتمدت على “اتزان الإدارة” عبر فصل الانفعال اللحظي عن الأهداف الاستراتيجية. داخلياً، تجلى هذا الاتزان في الحفاظ على بنية مؤسسات الدولة ومنعها من الانهيار النفسي، وخارجياً، عبر ديبلوماسية اتسمت بالهدوء والبرود السياسي القاتل للخصوم، مما جنّب البلاد الانزلاق نحو قرارات هستيرية كانت القوى المعادية تدفع باتجاهها.

مواجهة الشعبوية بـ “واقعية الدولة”
بينما كان العالم يضج بـ “الخطاب الشعبوي” الذي يعتمد على دغدغة العواطف وتبسيط الأزمات المعقدة تحت شعارات براقة، اختارت سوريا مساراً مختلفاً. فبدلاً من “التنفيس العاطفي” العابر، ركزت الإدارة على “واقعية الدولة”.

كان الرهان هو بناء “مناعة نفسية” مجتمعية قادرة على التمييز بين الشعارات وبين ديمومة الكيان الوطني. لقد أدركت الإدارة السياسية أن سيكولوجية الجماهير في وقت الحرب تحتاج إلى “رسائل طمأنينة مؤسساتية” وليس إلى وعود خيالية، وهو ما عزز حالة الصمود الداخلي.

دور المثقف ومناعة الوعي
هنا يبرز التساؤل الجوهري: أين هو المثقف العربي من هذا النموذج السوري في الصمود؟ إن دور المثقف اليوم، كما تجلى في الحالة السورية، هو أن يكون “محللاً نفسياً” للواقع، يسعى لاستعادة “العقل الناقد” في زمن أرادت فيه الماكينات الإعلامية للعاطفة أن تقود السفينة. إن اتزان الإدارة السورية لم يكن ليؤتي ثماره لولا وجود قاعدة شعبية ومثقفة استطاعت تفكيك ثنائيات “نحن وهم” والتمسك بالهوية الوطنية الشاملة.

خاتمة القول: إن فهمنا للدوافع النفسية خلف السلوك السياسي هو السبيل الوحيد لبناء “مناعة” تحمي الأوطان من الانزلاق خلف الأوهام. إن التجربة السورية أثبتت أن “كيمياء السلطة” عندما تمتزج بالثبات الانفعالي والرؤية الاستراتيجية، تستطيع أن تهزم أعتى مخططات “الحرب النفسية”. لقد انتصر المنطق على العاطفة، وصناعة الوعي على الانفعال.