المشهد الإعلامي التجميلي للقنوات الإخبارية بقلم فضيل حلمي عبد الله
برزت ظاهرة لافتة تتمثل في تخصيص بعض القنوات الإخبارية ميزانيات ضخمة لتحسين الملامح الخارجية للمذيعات، والتركيز على القوالب التجميلية كجزء من الهوية البصرية للقناة، ومع أن الصورة عنصر أساسي في العمل التلفزيوني، إلا أن المبالغة في هذا الاتجاه تحولت إلى نوع من الهدر المالي والقيمي الذي يهدد جوهر الرسالة الإعلامية.
فخ الشكلانية وهدر الموارد إن إنفاق المبالغ الطائلة على عمليات التحسين والمظاهر الخارجية لا يخدم المحتوى الخبري في شيء، فالخبر بصفته مادة معرفية، يحتاج إلى ناقل يتمتع بالمصداقية والقدرة على التحليل، وليس إلى واجهة مثالية تخضع لمعايير الجمال المصطنعة.. عندما تتحول ميزانية القناة من تطوير أدوات البحث والتقصي إلى تطوير الملامح، فإنها تفقد بوصلتها المهنية وتتحول من مؤسسة لصناعة الوعي إلى مؤسسة لصناعة الاستعراض.
الجمهور الواعي لا يبحث عن أيقونات جمال لتقدم له أخبار الحروب، الكوارث، أو التحليلات السياسية، و العلمية المعقدة؛ بل يبحث عن الثقة والتمكن، لذلك الاستثمار الحقيقي يجب أن يوجه نحو: صقل المهارات اللغوية والتحريرية، لضمان تقديم محتوى رصين ودقيق، و التدريب على إدارة الحوارات، لتمكين المذيعة من محاورة ضيوفها بذكاء واستخراج المعلومات الحيوية، والثقافة العامة والوعي السياسي ليكون المذيع شريكاً في صناعة الخبر لا مجرد قارئ له..
لذلك علينا بتجميل المحتوى لا تجميل الوجوه إن القيمة المضافة لأي قناة إخبارية، أو فضائية، تكمن في قوة محتواها ونفاذ بصيرتها في قراءة الأحداث، والميزانيات التي تُهدر على القوالب الجمالية لو وُجهت نحو مكاتب المراسلين، أو شراء تقنيات متطورة للتحقق من الأخبار الزائفة، أو إنتاج وثائقيات استقصائية، لكان أثرها في نسبة المشاهدة والتأثير أضعاف ما يحققه الشكل الخارجي..
وأخيراً على القنوات الفضائية، والوسائل الإعلامية أن تدرك أن الوجه الجميل قد يجذب المشاهد للحظات، لكن العقل المتقد والمهارة العالية هما ما يبنيان الولاء لدى الجمهور، والإعلام رسالة تربوية، والرسالة تُبنى في العقول لا في غرف التجميل، والاستثمار في الكادر البشري معرفياً هو الضمان الوحيد للبقاء في عصر المنافسة الرقمية الشرسة.
الكاتب الإعلامي الدكتور فضيل حلمي عبدالله.